بشارة أرور: الحوار السوداني السوداني ضرورة وطنية.. والسلاح وحده لا يغير واقع السودان*
*أرور: لا سلام دون عدالة والفصل بين مسار وقف الحرب ومسار المساءلة ضرورة*
ارور *: أخطر عقبة أمام الحوار غياب الإرادة الوطنية المشتركة وليس السلاح*
الثقة تبنى بالنتائج ليس بالوعود
ارور : الحوار خطوة أساسية لاستعادة مركز القرار السياسي وملكية الحل للسودانيين
حوار :منصة الحوار
حذر نائب رئيس حزب العدالة ووزير الداخلية الاسبق ورئيس اللجنة الإشرافية لقوى الحراك الوطني.بشارة جمعة ارور في بوح خاص من أن السلام الذي يتجاهل العدالة والمساءلة هو مجرد “تأجيل لأسباب الحرب”، داعياً إلى الفصل بين مساري وقف القتال والمساءلة دون تعارض. وأكد في حوار سياسي أن الملكية السودانية للحل تعني أن يكون القرار قرار السودانيين، وأن الدور الخارجي يجب أن يكون مسانداً لا وصياً، مشدداً على أن غياب الإرادة الوطنية المشتركة هو أخطر من الحرب والاستقطاب والتدخلات مجتمعة.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لماذا يحتاج السودان اليوم إلى حوار سوداني–سوداني من داخل البلاد؟
لأن الكلفة الباهظة لاستمرار الحرب أثبتت أن السلاح وحده لا يغير واقع السودان ولا يمكن أن يحسم قضاياه بالقوة وأي حل يُفرض من الخارج لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة الوطنية السودانية.
لذلك تصبح الحاجة إلى حوار سوداني–سوداني من داخل البلاد ضرورة وطنية ملحة وحتمية لإنهاء الحرب وصناعة سلام مستدام والتوافق على إعادة بناء الدولة.
ونحن اليوم أمام أزمة وطنية مركبة وليست مجرد صراع بين أطرافٍ متقاتلة وإنهاء الحرب في مثل هذه الحالة يقتضي معالجة جذورها السياسية والوطنية، لا الاكتفاء بوقف إطلاق النار أو الدخول في مفاوضات مؤقتة.
ومن هنا تنبع أهمية هذا الحوار باعتباره خطوة أساسية لاستعادة مركز القرار السياسي وملكية الحل إلى السودانيين وربط مخرجاته بالواقع السوداني ومصالح المواطنين لا بأجندات الوسطاء وحسابات المحاور الخارجية.
في ظل استمرار الحرب والانقسام، هل الحوار خيار واقعي أم مجرد أمنية سياسية؟
الحوار هو خيار الخيارات المثلى وهو واقعي وضروري وليس أمنية سياسية ولا بديلاً عن الفعل السياسي والعسكري والإنساني المطلوب لوقف الحرب فالواقعية السياسية لا تعني انتظار اكتمال الظروف المثالية وإنما تعني العمل على صناعة الظروف التي تجعل الحل ممكناً. وإذا كان استمرار الحرب هو الواقع الذي نعيشه فإن السؤال الصحيح ليس: هل نتحاور أم لا ؟ وإنما كيف نهيئ الظروف لحوار جاد ومسؤول قادر على تحويل الإرادة السياسية إلى قرارات والقرارات إلى حلول والحلول إلى سلام مستدام؟
ما الذي يمكن أن يحققه حوار الداخل ولم تنجح في تحقيقه المبادرات التي عُقدت خارج السودان؟
الميزة الأساسية لحوار الداخل أنه ينقل القضية من غرف المحاور والوساطات الخارجية إلى المجال الوطني المباشر ويعيد مركز المبادرة وملكية الحل إلى السودانيين فالمبادرات الخارجية قد تساعد وتيسر وتجمع الأطراف لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السودانية أو أن تقرر نيابة عن السودانيين مستقبل بلادهم.
وما نحتاجه اليوم هو حوار يرى السودان من الداخل، (المواطن والنازح واللاجئ والمجتمع المحلي والقوى السياسية والمدنية وأصحاب المصلحة الحقيقيين…إلخ) ويستمع إلى أصواتهم ومظالمهم وتطلعاتهم بحيث ينتقل الحوار من تفاوض على تقاسم مواقع السلطة والثروة إلى توافق وطني على مستقبل الدولة وشكلها وقواعد إدارتها والأسس التي تمنع تكرار أزماتها وحروبها.
هل يمكن أن يبدأ حوار سياسي جاد قبل وقف إطلاق النار، أم أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء القتال أولاً؟
وقف إطلاق النار أولوية إنسانية وسياسية لا خلاف عليها لكن اشتراط إنهاء الحرب بالكامل قبل بدء أي جهد سياسي قد يجعلنا أسرى للحرب لأن الوصول إلى وقف إطلاق نار مستدام وإنهاء الحرب نفسها يتطلبان محطات عديدة من التفاهمات السياسية.
لذلك لا ينبغي وضع الأمرين في مواجهة مصطنعة بل ينبغي أن نعمل بالتوازي على وقف القتال وتهيئة المناخ للحوار السياسي فوقف إطلاق النار يهيئ ويفتح الطريق أمام حوار حقيقي وجاد ومسؤول والحوار الجاد بدوره يوفر الأساس والضمان السياسي لاستدامة وقف إطلاق النار، ومعالجة أسباب الحرب والوصول إلى إنهائها بصورة نهائية ومستدامة.
كيف يمكن تحويل الحوار من منصة لتبادل المواقف إلى مسار فعلي لوقف الحرب وتحقيق السلام؟
بنقل الحوار من دائرة الخطابات السياسية والمناورات الإعلامية إلى دائرة الالتزامات والمسؤوليات ولذلك يجب أن تكون للحوار أجندة محددة ومراحل واضحة وآليات معلومة لاتخاذ القرار والتنفيذ والمتابعة والتقييم وأن تتحول مخرجاته إلى التزامات سياسية وقانونية ومشروعات وبرامج طموحة قابلة للتنفيذ فالحوار الذي لا ينتج قرارات ولا يملك آليات واضحة لتنفيذها ومراقبتها ليس حواراً لحل الأزمة وإنما مجرد مناسبة سياسية جديدة.
الملكية السودانية للحل
ماذا يعني عملياً أن يكون الحل ( سودانياً–سودانياً ) في ظل تعدد المبادرات والتدخلات الخارجية؟
يعني أن يكون القرار قرار السودان والحل ملكاً للسودانيين وهم وحدهم أصحاب الكلمة النهائية في تحديد المشكلة وصياغة الحل وتحديد الأطراف والأجندة والمخرجات وأن تظل الإرادة الوطنية هي المرجعية الحاكمة لمسار التسوية ومآلاتها.
ولا يعني ذلك عزل السودان عن المجتمع الدولي أو رفض مساعدة الأشقاء والأصدقاء وإنما أن يكون الدور الخارجي مسانداً للحل وميسراً وداعماً له وضامناً لتنفيذه لا صانعاً له ولا وصياً عليه ولا مالكاً لقراره.
فالمطلوب هو الاستفادة من الدعم والخبرة والضمانات الإقليمية والدولية، دون أن تنتقل ملكية الحل من السودانيين إلى غيرهم.
هل يستطيع السودانيون استعادة زمام المبادرة وتحديد مستقبل بلادهم بعيداً عن أجندات الخارج؟
نعم، إذا امتلكوا الإرادة السياسية وتجاوزوا عقلية انتظار الحل الجاهز من الخارج. فالسودان ليس عاجزاً عن إنتاج الحل لكنه يحتاج إلى كبح جماح المحاور والتدخلات والمؤامرات واستعادة استقلالية قراره الوطني ولا يمكن أن يظل مستقبل البلاد رهينة للمبادرات المتنافسة أو لأجندات القوى الإقليمية والدولية ومصالحها المتباينة.
وتبدأ استعادة المبادرة حين يصبح السودانيون وحدهم من يحددون ماذا يريدون وكيف يصلون إليه وما الذي يقبلونه وما الذي يرفضونه فتكون المساندة الخارجية عوناً على تحقيق إرادتهم لا بديلاً عنها ويكون القرار السوداني هو الأصل والدعم الخارجي هو السند.
كيف يمكن ضمان ألا يتحول الحوار إلى تفاهم بين النخب السياسية، بينما يبقى المواطن الذي دفع ثمن الحرب خارج الطاولة؟
الضمان الحقيقي ألا يُختزل الحوار في تفاهمات سياسية بين النخب بل أن يؤسس منذ البداية بوصفه حواراً وطنياً جامعاً وشاملاً قوامه المشاركة الواسعة والتمثيل العادل والمعايير الموضوعية.
وعليه، فإن الحوار الوطني لا يعني جمع رؤساء الأحزاب والقوى السياسية وقادة القوى المسلحة وإنما أن يعكس السودان بكل تنوعه الجغرافي والسياسي والمجتمعي وأن ينقل المواطن من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الأصيل في صياغة مستقبله.
ومن مقتضى ذلك أن يضمن التمثيل حضور القوى السياسية والمدنية والمجتمعية والشباب والمرأة والنازحين واللاجئين والمتضررين من الحرب والإدارات الأهلية والنقابات والمناطق المتأثرة تمثيلاً حقيقياً ومؤثراً لا شكلياً كما ينبغي أن تنطلق الأجندة من قضايا الناس وحقوقهم وأمنهم ومستقبلهم وأن تخضع مخرجات الحوار للشفافية والمساءلة.
فالحوار الذي لا يسمع صوت من دفعوا ثمن الحرب ولا يترجم مخرجاته إلى أثر في حياة الناس ليس حواراً وطنياً وإنما تفاهم بين النخب.
هل يمكن أن ينجح الحوار إذا غاب عنه طرف أو مكون رئيسي من مكونات الأزمة والمجتمع؟
لا يمكن أن نسمي الحوار حواراً وطنياً جامعاً وشاملاً إذا غابت عنه أطراف رئيسية قادرة على تعطيل السلام أو التأثير في مستقبل البلاد أو مكونات أصيلة من مكونات المجتمع إذ إن غياب طرف مؤثر يعني بقاء جزء من الأزمة خارج دائرة المعالجة ويجعل مخرجات الحوار ناقصة التمثيل ومحدودة المشروعية وأكثر عرضة للرفض أو عدم الالتزام بها.
غير أن شمول الحوار لا يعني منح أي طرف حق “الفيتو” ولا السماح بتحويل المشاركة إلى وسيلة لابتزاز العملية الحوارية أو تعطيلها فالقاعدة الصحيحة هي لا إقصاء مسبقاً ولا احتكار ولا وصاية ولا حق لأحد في تعطيل الإرادة الوطنية.
ويجب أن يكون الباب مفتوحاً أمام أصحاب المصلحة الحقيقيين وفق معايير عادلة وموضوعية مع قواعد واضحة تمنع احتكار القرار أو استخدام الغياب والرفض أداة لتعطيل الحوار.
فالمشاركة حق لكنها ليست امتيازاً لتعطيل الآخرين ومن يختار عدم المشاركة لا يجوز أن يمنح نفسه حق تعطيل حق الآخرين في صناعة السلام وتقرير مستقبل وطنهم. ولذلك فإن غياب طرف رئيسي أو مكون أصيل قد لا يمنع انعقاد الحوار لكنه يظل عقبة أمام اكتمال الحل واستدامته إذ لا حوار وطني مستداماً بالإقصاء ولا سلاماً مستداماً بالاحتكار أو الابتزاز.
السودانيون جربوا اتفاقات وحوارات كثيرة؛ لماذا ينبغي أن يثقوا في حوار جديد؟
الثقة لا تُطلب منهم إبتداءاً ولا تُبنى على الوعود ولا تُفترض لمجرد الدعوة إلى حوار جديد وإنما تُستعاد بالمصداقية والفعل وتُبنى بالضمانات وتترسخ بالنتائج فالمطلوب هذه المرة ليس إعادة إنتاج الحوارات السابقة ولا إعادة إنتاج المشهد النخبوي ذاته حول مائدة الحوار وإنما تغيير فلسفة الحوار ومنهجه وأطرافه وأجندته وضماناته ومآلاته واستخلاص الدروس والعِبر من إخفاقات التجارب السابقة وبناء عملية أكثر شمولاً وشفافية ومساءلة تجعل المواطن شريكاً أصيلاً في صياغة الحل وصاحب مصلحة حقيقية في نجاحه ورقيباً على تنفيذ ما يُتفق عليه.
فالثقة لا تُكتسب لمجرد أن الحوار جديد وإنما عندما يثبت بالممارسة والنتائج حين يثبت أن هذا الحوار ليس إعادة لإنتاج إخفاقات الماضي وأن مخرجاته لن تبقى مجرد تفاهمات معلقة على الورق بل ستتحول إلى التزامات واضحة وآليات محددة للتنفيذ وضمانات قابلة للقياس ومسؤوليات معلومة ومساءلة حقيقية لكل من يُخل بالتزاماته أو يتلكأ في الوفاء بها أو يتقاعس عن تنفيذها أو يتنصل عما التزم به.
وعليه، فإن الرهان ليس على مطالبة السودانيين بالثقة في الحوار قبل أن يبدأ وإنما على بناء الحوار ذاته بطريقة تجعل الثقة ثمرة لمساره ومحصلة لمصداقيته وبرهاناً على جدية مخرجاته فلا تكون شرطاً مسبقاً لنجاحه بل نتيجة طبيعية لنجاحه.
هل أزمة السودان اليوم هي غياب الحوار، أم غياب الإرادة السياسية لتقديم تنازلات حقيقية؟
السؤال في جوهره يضع الإصبع على موضع الخلل، هل أزمة السودان اليوم هي غياب الحوار أم غياب الإرادة السياسية القادرة على جعله منتجاً ؟
والإجابة في تقديري، أن الأزمة في جوهرها، أزمة إرادة سياسية حقيقية مائة بالمائة قبل أن تكون أزمة حوار، فالسودان لم يفتقد فرص الحوار والمبادرات والوساطات بقدر ما افتقد في مراحل كثيرة إرادة الوصول إلى تسوية وطنية عادلة وتحويل الحوار من وسيلة لإدارة الأزمة إلى طريق لإنهائها.
فالحوار بلا استعداد حقيقي لاحترام وقبول الآخر وبلا إرادة صادقة لتقديم تنازلات متبادلة يتحول إلى منبر لإعادة إنتاج المواقف وتدوير الخلافات بدلاً من أن يكون جسراً للوصول إلى التوافق وإنهاء الأزمة.
والمطلوب هنا ليس التنازل عن المبادئ أو التفريط في الثوابت وإنما التخلي عن احتكار السلطة ومنطق الغلبة والإقصاء واختزال مصلحة الوطن في مصلحة حزب أو جماعة أو طرف مسلح.
فإذا حضرت الإرادة السياسية الصادقة أصبح الحوار طريقاً حقيقياً لإنهاء الحرب وبناء السلام وإذا غابت، فلن يعالج الحوار الأزمة ولن ينهي أسبابها وإنما سيؤدي إلى إرجاء مواجهتها إلى وقت لاحق فيتحول إلى ترحيل لاستحقاقاتها وإعادة لإنتاج أسبابها مرة أخرى حتى تنفجر لاحقاً بصورة أشد خطراً وأعقد معالجة.
إذا رفضت بعض القوى السياسية أو أطراف الحرب المشاركة، هل يمكن قيام حوار وطني حقيقي من دونها؟
يمكن أن يبدأ الحوار، لكن لا يمكن أن يتجاهل القوى المؤثرة في الحرب أو السلام فليس مطلوباً أن تكون كل الأطراف حاضرة منذ اللحظة الأولى، كما لا يجوز أن يتحول غياب بعضها إلى حق في تعطيل المسار الوطني. والأدق في الحالة السودانية أن نفرق بين الحوار الوطني وحوار كل الأطراف فالحوار الوطني لا يفقد مشروعيته لمجرد غياب طرف لكنه لا يكون جامعاً إذا صُمم إبتداءاً لإقصاء قوى رئيسية بصورة متعمدة.
ولذلك ينبغي أن يُبنى على أوسع مشاركة ممكنة وأن يظل بابه مفتوحاً أمام من اختار الغياب مع بذل الجهد لإقناعه بالالتحاق به.
ولا يجوز أن يتحول الرفض إلى حق في احتجاز الإرادة الوطنية أو ابتزاز بقية السودانيين أو فرض الشروط بالسلاح، فالحوار الوطني لا يُختطف بمن يشارك ولا يتوقف بغياب من يرفض.
والمطلوب هو معادلة واضحة لا إقصاء متعمد ولا احتكار للقرار ولا حق لأحد في تعطيل السودان كله بل حوار يمضي بأوسع توافق ممكن ويظل مفتوحاً أمام الجميع دون أن يُجعل مستقبل البلاد رهينة لغياب أحد.
ما العقبة الأكبر أمام حوار الداخل: استمرار الحرب، أم الاستقطاب السياسي، أم انعدام الثقة، أم التدخلات الخارجية؟
كلها عقبات حقيقية أمام حوار الداخل لكن أخطرها في تقديري هو غياب الإرادة الوطنية المشتركة تلك التي ترى أن السودان أكبر من مصالح أطرافه وأن إنقاذ الدولة ووحدة الوطن ينبغي أن يتقدما على حسابات السلطة والنفوذ والغلبة وأن تجد هذه الإرادة الوطنية ترجمتها في إرادة سياسية صادقة تضع مصلحة السودان فوق حسابات السلطة والنفوذ والمكاسب السياسية وتستعد للحوار الجاد وما يقتضيه من تنازلات والتزامات متبادلة. فالحرب يمكن إيقافها والاستقطاب يمكن تخفيفه وانعدام الثقة يمكن معالجته والتدخلات الخارجية يمكن الحد من تأثيرها لكن إذا غابت الإرادة الوطنية التي تجعل مصلحة السودان سقفاً جامعاً للجميع فلن تنجح أي آلية ولن تصمد أي تسوية مهما بلغت دقة تصميمها وقوة ضماناتها.
ولكن تظل أزمة الثقة العقبة الكأداء والأشد تعطيلاً للحوار إذ تجعل كل طرف يرى فيه احتمالاً للخسارة أكثر منه فرصة للخروج المشترك من الأزمة.
لذلك لا يكفي جمع الأطراف حول طاولة بل لا بد من بناء حد أدنى من الثقة والضمانات يجعل الحوار ممكناً والتنازل مقبولاً والاتفاق قابلاً للتنفيذ فإن الحرب تؤلم والاستقطاب يعقد والتدخل الخارجي يغذي الأزمة لكن غياب الإرادة الوطنية المشتركة يعطل الحل من أساسه لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين البنادق وحدها وإنما بين منطق الدولة ومنطق الغلبة.
كيف يمكن تحقيق السلام من دون أن يتحول الحوار إلى تسوية تتجاهل العدالة والمساءلة عن الانتهاكات؟
السلام الحقيقي لا يقوم على دفن الجرائم تحت شعار المصالحة ولا على تحويل التسوية السياسية إلى إفلات من العقاب ولكن يمكن أن نتفاوض على مستقبل الدولة ووقف الحرب وتقاسم المسؤوليات السياسية لكن لا يجوز أن تصبح المفاوضات صك حصانة عن الانتهاكات الجسيمة أو مقايضة بين السلام والعدالة.
فالمصالحة المستدامة لا تستقيم إلا بالعدالة والمساءلة وجبر الضرر وإلا فإننا لن ننهي الحرب بل نؤجل أسبابها ام نأجلها.
ولا يمكن تحقيق سلامٍ مستدام بتجاهل العدالة والمساءلة، كما لا يجوز جعل العدالة ذريعة لإغلاق باب التسوية السياسية فالمخرج هو الفصل بين مسارين متلازمين لا متعارضين، مسار إنهاء الحرب وصناعة السلام ومسار العدالة والمساءلة بحيث نمضي نحو السلام دون أن ندفن الجرائم ونُقيم العدالة دون أن نجعلها ذريعة لإدامة الحرب.
إذا نجح السودانيون في الجلوس إلى طاولة واحدة، فما القضية الأولى التي يجب أن يتفقوا عليها: وقف الحرب، أم تأسيس الدولة، أم الاتفاق على شكل الحكم ومستقبل السودان؟
الأولوية العاجلة هي وقف الحرب وإنهاؤها وحماية المدنيين لكن الهدف الأبعد يجب أن يكون إعادة بناء الدولة على أسس وطنية راسخة وإقامة دولة قوامها العدالة والتنمية الاجتماعية والمساواة وسيادة القانون فلا يكفي أن نوقف إطلاق النار ثم نعود إلى النظام السياسي الذي أنتج الأزمة.
لذلك يجب أن يسير المساران معاً: وقف الحرب فوراً وبناء التوافق حول الدولة التي نريد إعادة بناءها على أسس جديدة بما يعالج جذور الأزمة ويمنع تكرارها أما شكل الحكم فيأتي ضمن هذا لا باعتباره صفقة لتوزيع السلطة بين النخب وإنما باعتباره جزءاً أصيلاً من التوافق على مستقبل السودان.
ومن ثم، فإن هذه القضايا الثلاث لا تقف على طرفي نقيض ولا تمثل خيارات متنافسة وإنما تشكل حلقات متداخلة ومترابطة في معادلة وطنية واحدة: وقف الحرب وإنهاؤها وحماية المدنيين بوصفه أولوية عاجلة وإعادة تأسيس الدولة بوصفه هدفاً أبعد والاتفاق على شكل الحكم ومستقبل السودان باعتباره جزءاً أصيلاً من إعادة بناء الدولة على أسسٍ جديدة بما يضمن ألا يكون السلام مجرد هدنة مؤقتة بل مدخلاً إلى دولة راسخة وعادلة تعالج جذور الأزمة وتحقق التنمية والمساواة وتصون كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته وترسخ سيادة القانون وتحول دون تكرار الحرب وتجدد أسبابها.
وخلاصة القول في تقديري: نريد حواراً وطنياً شاملاً يؤسس للحل بالتوافق وقبول الآخر بلا إقصاء ولا احتكار ولا وصاية حواراً ينهي الحرب ويفتح الطريق لعقد وطني جديد ودولة عادلة مستقرة فغايتنا أن ينتصر الحق ويستقر السودان وينعم شعبه بالسلام والازدهار ويتبوأ مكانه اللائق بين الأمم.
أمنيتي أن أرى السودان وطناً موحداً آمناً ومستقراً، يسع الجميع وتحكمه دولة المؤسسات وسيادة القانون وتسود فيه قيم الحرية والسلام والعدالة وتترسخ فيه المواطنة المتساوية بما تكفله من حقوق وحريات وما تفرضه من واجبات ويكون التداول السلمي للسلطة نهجاً راسخاً، والوحدة خيارَ الشعب.


