عاجل
الإثنين, أغسطس 31, 2026
spot_img
الرئيسيةUncategorizedرمضان محجوب.. يكتب : شهادة قلم عاصر الانكسار .. ​جراح الشباب..!!

رمضان محجوب.. يكتب : شهادة قلم عاصر الانكسار .. ​جراح الشباب..!!

مقالات : هبوب نيوز

​▪️ مرت أعوام المحنة بطعنات نافذة استقرت في صميم الوجدان السوداني، حيث تسلل القنوط رويداً إلى نفوس جيل وجد نفسه صباحاً ومساءً بعيداً عن أيسر سبل العيش والتحصيل، بعد أن تهشمت الأحلام العريضة على صخرة الحرب اللعينة التي فرضتها المليشيا المتمردة عنوة واقتداراً على المواطن والوطن، وأطاحت بمستقبل شباب كانوا يعقد عليهم الراجي ليكونوا عدة النهضة وبناة الغد في كافة الميادين بلا استثناء.

​▪️ هذا الواقع القاسي القى بظلاله النفسية والاجتماعية ثقيلة الوطأة، ليقف سدّاً منيعاً في وجه كل محاولات البناء والإعمار فكرياً ومادياً، ولعل قصة الشاب “أحمد” – خريج الهندسة الذي تحولت أحلامه بتصميم المستقبل إلى كدح يومي في عربة كبد محملة بالبضائع بأطراف إحدى مدن النزوح – تعكس بمرارة واقع آلاف الشباب ممن غيبت الحرب مقاعد دراستهم ومختبراتهم، غير أن العزيمة السودانية الأصيلة تأبى الانكسار، وتنبعث كالطائر من رماد الخيبة لتشحذ الهمم وتدفع بالطاقات الشابة نحو دروب العطاء والإصرار.

​▪️ مأساة التشريد المستمرة بفعل آلة الحرب التي فُرضت على المواطن والوطن تحولت إلى كابوس يومي تعيش تفاصيله ملايين الأسر التي أجبرت على مغادرة دورها كارهاً، لتجد نفسها في العراء بلا مأوى يستبرها ولا استقرار يحفظ كرامتها، في مشاهد عينية تتكرر يومياً بمراكز الإيواء المكتظة وفصول المدارس التي تحولت لخيام لجوء داخلي، وهو وضع إنساني معقد يستنفر تكاتف الجميع رسمياً وشعبياً لبلسمة الجراح وإعادة البسمة إلى شفاه من دفعوا فاتورة باهظة من أمنهم واستقرارهم.

​▪️ ذكريات العمر ودفاتر الدار ومقتنيات السنين التي جمعت بعرق الجبين تبددت تحت ركام البيوت المهدومة بقسوة القصف والنهب الممنهج، ولم يترك روع هذه المواجهة القسرية التي فرضتها المليشيا المتمردة على المواطن والوطن للنازحين سوى أطياف باهتة في بال المكان الذي فارقوه بدموع القلب، وهي خسارة لا تقدر بمال، لكن بأس الإنسان السوداني يظل أصلب من الصخر وأقدر على بعث الحياة من رحم العدم وتشييد صروح جديدة للكرامة والعزة.

​▪️ ويبقى ضياع الاستقرار وملاذ الطمأنينة الجناح الأكثر إيلاماً في روح كل مواطن شرّدته رياح الحرب العاتية، فإحساس الغربة بين الأهل أو في المنافي يترك شغافاً لا يرويه سوى شوق الأوبئة إلى الديار والتمريغ بتراب الأرض التي شهدت الطفولة وضحكات الأحباب، وهو شعور مقدّس يوقد جمر الصمود اليومي في وجه كل محاولات اجتثاث الوجوه والهوية.

​▪️ تفرض ظلال التيه وغياب المستقبل أعباء فادحة على جسد المجتمع ومآلاته القريبة ما لم نتدارك الأمر بحلول عملية عاجلة، تسعف الشباب وتدمجهم في شرايين الإنتاج والتنمية، وتؤمن حاضنة دافئة لأحلامهم لئلا ينقلب اليأس المتراكم إلى بركان يهدد السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي الذي تعرض لهزات غير مسبوقة في تاريخنا الحديث.

​▪️و يخفي المسكوت عنه في دفاتر طموحات الشباب المكسورة وجعاً دفيناً تعجز عنه عبارات الوصف التقليدية، إذ يلامس مرارة البطالة القسرية وضياع فرص الدراسة والعمل، وحسبك بشهادة أحد الطلاب الجامعيين وهو يقول بلوعة واختصار: “لقد أضاعت الحرب عامنا الثالث، وضاعت معها أحلام المختبرات وشهادات التخرج”، وهو ما يستدعي من الأقلام الحرة والمفكرين إضاءة هذه الزوايا المعتمة بموضوعية تامة، التفاتاً للمعاناة الصامتة التي يكابدها عصب الأمة وحماة غدها المشرق.

​▪️ ويقتضي التعامل مع هذا الركام المرير تدابير فورية قوامها إطلاق برامج حقيقية للتشغيل والتمكين الاقتصادي ودعم المبادرات الصغيرة للشباب، وتوسيع نطاق المبادرات الشعبية البارزة التي انتصبت على الأرض لملء الفراغ، مثل “خلاوي القرآن” والديوانيات الثقافية التي تحولت إلى فصول بديلة وحاضنات مهنية مصغرة، جنباً إلى جنب مع ترميم المؤسسات التعليمية لتمكين الأجيال من اللحاق بركب الإنتاج دون تسويف.

​▪️و تفرض المرحلة كذلك تأسيس صناديق تضامن مجتمعي محلية وعابرة للحدود تكرس لنجدة العسر والنازحين، وتوفير العناية النفسية الميدانية لمن نكبتهم الحرب، تقليلاً لتداعيات الصدمات العميقة التي تركها الفقد والنزوح تحت وطأة السلاح والنار التي فرضتها المليشيا المتمردة على المواطن والوطن بلا رادع من أخلاق أو ضمير.

​▪️ ويتسلل طوق النجاة الحقيقي عبر التقاء الجهد الرسمي بنبض الشارع والتكافل الأهلي العفوي المتأصل في السجيّة السودانية، واحتضان الطاقات الشبابية الذاتية التي تحاول ملء الفراغ المرير بفعاليات ثقافية ومهنية نافعة، تؤكد يوماً بعد يوم أن إرادة البقاء الحي أقدر على دحر آثام الدمار.

​▪️ ويبقى الأمل الصادق والفعل المقاوم سلاحاً ماضياً لكل من وثق بهذا التراب وقدرته على النهوض، فما الهزيمة إلا استراحة لقلم لم يعرف الخنوع يوماً، وستبقى شعلة التفاؤل متوهجة في الصدور إلى أن ينجلي ليل هذا العدوان السافر وتسترد البلاد عافيتها وسيرتها الأولى واحة للأمان والعدل لكل أبنائها بلا استثناء ولا تمييز.

​▪️ استعادة البوصلة المجتمعيةتتطلب صياغة خطاب وطني جامع يلفظ الشتات والفرقة، ويضع الإنسان السوداني فوق كل حسابات حزبية ضيقة، ليكون أساساً متيناً لرتق النسيج الاجتماعي وتضميد الجروح المفتوحة التي خلفتها سنوات الصراع على مختلف الواجهات والمستويات.

​▪️ اليوم تقف المؤسسات التعليمية والثقافية أمام اختبار تاريخي يتطلب إعادة هندسة المناهج والمضامين الفكرية لترسيخ روح الانتماء والإعمار، وتحويل طاقات الإحباط إلى طاقات خلاقة تسهم بفعالية في ورشة البناء الكبرى التي ينتظرها الوطن بشوق وعمل دؤوب.

​▪️و يستوجب مسار النهوض الوطني منح الشباب مقعداً في قاطرة صنع القرار ورسم ملامح المستقبل، باعتبارهم أصحاب المصلحة الحقيقية والأقدر على تشخيص واقعهم وتلبية تطلعاتهم، وفتح المنافذ أمام أفكارهم النيرة للعبور بالوطن نحو آفاق التطور والنماء المبتغى.

​▪️ هذه المساعي المتكاتفةتتوّج بالتشبث بالمبدأ والتمسك بتراب الأجداد مهما ادلهمت الخطوب، ليظل السودان منيعاً بسواعد أبنائه الأحرار الذين طوعوا رماد الانكسار عبر التاريخ ليغدو ناراً تنير طريق الأجيال نحو الغد الأجمل، وحصناً منيعاً لا تناله عواصف المليشيا ولا كيد المتربصين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

الأكثر قـراءة