رمضان محجوب.. يكتب : ​أزمة الوقود .. أنياب مافيا النفط..!!

0
10

مقالات : هبوب نيوز

​▪️ تتدافع الخواطر وتتقاطع الأسئلة أمام المشهد المعيشي المثقل بالهموم في السودان، حيث تبدو التفاصيل الدقيقة لأزمة المواد البترولية أعمق بكثير مما يبرز لعامة الناس على السطح، وأبعد أثراً من مجرد صفوف متطاولة أمام محطات الخدمة في العاصمة والولايات..

​▪️ ولأن جذور هذه الأزمة لم تكن قدراً محتوماً، بل جاءت وليدة إلغاء مفاجئ وغير محسوب لنظام العطاءات الذي كان يمثل صمام الأمان الحقيقي لاستقرار السوق وحركة الإمداد اليومي؛ ففي تلك الأيام الخوالي كانت الحكومة تتعامل مع العطاءات بروح المنافسة الشريفة وأخذ العطاء الأقل تكلفة، لتسير الأمور بانتظام مدهش ودورة منسابة تخدم الاقتصاد والمواطن على حد سواء، وبأعلى درجات الكفاءة والشفافية المنشودة..

​▪️ حينها كانت 36 شركة تتوزع عليها مهام توزيع المواد البترولية ضمن منظومة شديدة الانضباط والتنسيق، حيث كان العمل معلوماً وفي العلن، وكل طرف يدرك بدقة بالغة واجبه وحقه ومستحقه دون إجحاف أو تمييز.

​▪️ لكن رياح المصالح الضيقة وغير المشروعة هبت قبل أكثر من ثلاثة أشهر مع مجيء شركات الإذعان الجديدة، لتتحول العطاءات فجأة إلى ساحة من المحاباة والتفضيل، وهو ما أثر بشكل مباشر وعميق على طبيعة انسياب المواد البترولية في شرايين الوطن..

​▪️ الدولة -وعبر تساهل وزارة الطاقة وغفلتها- أعطت فرصة ذهبية لهذه الشركات المحتكرة للتمدد والتغول، ليس على مقدرات الوطن الاقتصادية فحسب، بل على لقمة عيش المواطن المكتوي بنار الغلاء والمعاناة اليومية القاسية، ليتضح جلياً أن الأمر تجاوز حدود الإدارة الفنية إلى أروقة النفوذ والمصالح الخاصة التي تستبيح قوت الشعب دون رادع من ضمير أو خوف من عاقبة، وسط صمت مطبق من الجهات الرقابية التي باتت عاجزة عن كبح جماح هذا التغول المتصاعد يومًا بعد يوم.

​▪️ وازدادت هذه الشركات غناً فوق غناً بفعل تصاعد الأرباح الخيالية واستثمارها الممنهج في هذه السلعة الاستراتيجية الحساسة، إذ يبلغ ربح سفينة الوقود المستوردة الواحدة أرقاماً فلكية تتراوح بين 5 إلى 6 ملايين دولار كاملة! يحدث كل هذا التخبط لأن الدولة تخلت عن نظام العطاءات الرصين الذي كان يوفر الوقود في كل محطات البلاد بأسعار ثابتة.

​▪️ كانت الأمور حينها تجري بسلاسة تامة مع استقرار سعر الصرف في السوق الموازي، ليأتي الاستبدال بإيعاز من مافيا الوقود الجديدة، وهي شبكة مصالح التقت أهدافها عند محطة نهب مقدرات العباد واستغلال حاجة الدولة الملحة للعملة الصعبة لفرض شروطها القاسية، وتركيع قطاع الاستيراد بكامل تفاصيله الحيوية لصالح أجندتها الضيقة.

​▪️ لقد تم استبدال النظام السابق بنظام أدنى؛ ظاهره القدرة المالية وباطنه الاحتكار المطلق للسيطرة على سوق البترول في بلد أصبح فيها الجميع إما محتكراً أو مسيطراً، فتمت السيطرة على صمام المواد البترولية بفعل سياسات عجيبة وسوء تقدير فادح!!

​▪️ ما تشهده محطات الوقود في الخرطوم وكل ولايات السودان يبدو أمراً غير طبيعي وغير منطقي للمواطن البسيط، لكنه في ذات الوقت يبدو أكثر من طبيعي ومنطقي لكل متابع ومراقب حصيف لملف المواد البترولية عن قرب..

​▪️ فهندسة الأزمات أصبحت حرفة تتقنها تلك الدوائر المغلقة لابتزاز الدولة والمواطن معاً، وتحويل كل قطرة وقود إلى سلعة نادرة تدر أموالاً طائلة على حساب دماء العمال والكادحين الذين لا حول لهم ولا قوة سوى الوقوف في هذه الصفوف الطويلة طمعاً في الفرج القريب.

​▪️ هذه الربكة والندرة المفتعلة جاءت كنتيجة تراكمية لعمل دؤوب من لوبي الوقود الجديد الذي أخذ بتلابيب الوطن والمواطن، مستنداً إلى شروط مجحفة فرضها البنك المركزي مؤخراً، يتقدمها شرط إيداع 200 كيلو ذهب كاملة؛ فهذا الشرط التعجيزي نجح بليل في إخراج نحو 32 شركة من سوق التنافس والاستيراد، وأبقى على أربع شركات فقط احتكرت الملف بقدرة قادر!!

​▪️ وبدأ الأمر وكأنه اتفاق سري بين تلك الشركات وبين الجهات الرسمية في المركزي ووزارة الطاقة، في مشهد يعيد للأذهان سياسات الإقصاء الممنهج التي تذبح الاقتصاد الوطني من الوريد إلى الوريد، وتمنح صكوك الغنى الفاحش لفئة قليلة تعيث فساداً في أرض السودان الطيبة.

​▪️ الآن تملك هذه الشركات زمام أمر المواد البترولية برمته، بينما تكتفي الدولة بدور المتفرج السلبي، وأضعف الإيمان عندها أن يتحرك المسؤولون التنفيذيون إلى محطات وقود اختيرت بعناية ليرسلوا رسائل تطمينية بأن الأمور تحت السيطرة، بينما الواقع المرير يكذب كل تلك الوعود ويسخر منها!!

​▪️️ المتأمل لتفاصيل هذا الواقع المؤلم بمزيد من التمحيص والتدبر سيدرك تماماً أن معالي رئيس الوزراء مطالب -اليوم قبل الغد- بإعادة النظر كرة بعد أخرى في هذا الملف الشائك الذي بات يهدد كيان الدولة الاقتصادي من أساسه، ويضع مستقبل البلاد على حفرة من نار تتطلب شجاعة استثنائية وقرارات حاسمة تقطع دابر المتاجرين بقوت الشعب، وتضع حداً نهائياً لهذا العبث المتواصل الذي يغذي الأزمات بلا هوادة.

​▪️️ معالي الرئيس.. ستتكشف لك الحقائق ساطعاً نورها؛ أن هذه الشركات الاحتكارية قد تحولت إلى غول حقيقي يلتهم بلا رادع كل جهد تبذله الدولة لإنقاذ اقتصادها العليل المترع بالندوب والآثار بفعل أيدي أبنائه وجشعهم المفرط الذي لا يرتوي!!

​▪️ ولن يطول الوقت حتى يتبين لك أن تلك الشركات قد مُكنت من امتيازات والصلاحيات لم تكن تحلم بها، فصارت هي الآمرة الناهية في مقاليد الأمور، تخزن الوقود وتتحكم في تدفقه لا لتحقيق الوفرة، بل ترقباً لارتفاع سعر الصرف للدولار، لتترك المواطن الغلبان يصارع ألسنة اللهب المشتعلة في أسعار النقل والمعيشة وكل تفاصيل حياته اليومية التي باتت رهينة بيد هؤلاء العابثين بمقدرات الوطن ومستقبله.

​▪️ وهنا تتجلى بوضوح تام جذور الأزمة الحقيقية؛ فليست المشكلة أبداً في عجز الاستيراد أو قلة الموارد، بل في تغول الجشع وغياب الرؤية الرشيدة، بينما تقف الشركات المحلية عاجزة أمام معادلة خاسرة تلزمها ببيع المواد البترولية بأسعار لا تغطي التشغيل في محطاتها!!!

​▪️ إن طوق النجاة الوحيد يكمن في قرار شجاع وعاجل يكسر هذا الاحتكار الأعمى، والجلوس الفوري مع كافة الشركات الـ 36 لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، إما بالعودة للنظام القديم أو بصيغة عادلة تحفظ للجميع حقوقهم وتنقذ ما تبقي من رمق، بعيداً عن سياسات الإرضاء والمجاملة التي أثبتت التجربة المريرة أنها لا تزيد الطين إلا بلة والوطن إلا دماراً شاملاً.

​▪️ معالي رئيس الوزراء.. افعلها هذه المرة، واجلس بنفسك أنت ووزير الطاقة مع تلك الشركات بحضور الجهات ذات الصلة بالملف، لتغلق هذا الملف الذي إن تركته هكذا سيعجل ليس برحيلك وحدك، بل برحيل ما تبقي من رمق أخير لهذه البلاد المنكوبة.. هذا أو الطوفان.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا