النيل الأبيض : هبوب نيوز
في عامها الثالث، تواصل الحرب إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للسودان، بين شح في السلع، وانهيار الإيرادات الاتحادية، وتضخم متسارع أرهق المركز والولايات. وسط هذا المشهد، كشفت وزارة مالية النيل الأبيض عن أرقام الربع الأول لموازنة 2026 التي تعكس “صموداً إدارياً” أكثر منه انتعاشاً اقتصادياً.
موارد متاكلة..
تعتمد موازنة الولاية بنسبة كبيرة على التحويلات الاتحادية للتنمية والأجور. ومع تراجع إيرادات الدولة العامة بسبب الحرب، انخفضت التحويلات تلقائياً، بينما واصل الجنيه تراجعه أمام الدولار، وارتفعت أسعار السلع والخدمات الأساسية بفعل التضخم. وفي المقابل، ظلت الولاية مطالبة بتقديم خدمات أساسية في ظل تدفق نازحين زاد الضغط على الصحة والمياه والتعليم.
انضباط تحصيلي..
و بلغ التحصيل الفعلي 55.644 مليار جنيه بنسبة 70% من الهدف، وبزيادة 22% عن نفس الفترة من 2025. إجمالي الإيرادات المحققة 65.785 مليار جنيه بنسبة أداء 42%.
حجم الإنفاق..
– وبلغ 58.508 مليار جنيه بنسبة صرف 38%، ووُجه للأجور ليناير-مارس، وتسيير الوحدات، والأمن، والصحة، والتعليم، والمياه، ودعم الأسر الضعيفة.
التنمية بالمحليات..
– صُرف 1.516 مليار جنيه بنسبة تنفيذ 77%. تصدرت ربك بنسبة 97%، ركزت على تأهيل مدارس ومستشفيات وطرق، بينما أنفقت كوستي وتندلتي 75% و66% على التوالي.
حديث الأرقام..
الزيادة 22% في الإيرادات لا تعني بالضرورة نمواً اقتصادياً حقياً، ففي ظل تضخم مرتفع يصبح جزء كبير منها “وهمياً” نتيجة ارتفاع الأسعار الاسمية. لكن نسبة التحصيل 70% تشير إلى نجاح نسبي في “سد منافذ التسرب” وتفعيل الجهد الضريبي المحلي، خاصة مع غياب التحويلات الاتحادية الكافية.
ويعزو البيان ذلك إلى الإجازة المبكرة للموازنة، والرقابة على وحدات التحصيل، وتفعيل لجان الوقود ومكافحة التهريب.
تنويع المصادر وحماية الخدمات..
وراهنت الوزارة على ثلاثة مسارات:
1. رفع معدل الجهد الضريبي في الناتج المحلي.
2. تفعيل التمويل الأصغر لدعم الأسر الفقيرة والوافدة.
3. استقطاب الجهد الشعبي ومساهمات المنظمات.
وفي الجانب الخدمي، ركزت على مياه الشرب، الصحة، التعليم، الطرق. وأنفقت 352.5 مليون جنيه لتأهيل مبانٍ غير سكنية بربك، وتزويد كوستي بجهاز أشعة متطور، وإنشاء مكب آمن للنفايات الطبية.
كما فعّلت الرقابة على محطات الوقود ومكافحة التهريب إلى جنوب السودان والولايات الغربية، لحماية الموارد وتقليل نزيف العملة الصعبة.
صمود إداري وتحدي هيكلي..
ونجحت النيل الأبيض في “إدارة الأزمة” خلال الربع الأول: دفعت المرتبات، شغلت المستشفيات، وأبقت محركات التنمية المحلية تعمل. لكن التحدي أكبر من أرقام ربع سنة. فالاعتماد على التحويلات الاتحادية يبقى نقطة ضعف، وتنويع مصادر الدخل يحتاج لقطاع خاص منتج وليس فقط جباية أفضل.
وأشار البيان إلى غياب التمويل بغرض الاستيراد على المستوى القومي، مؤكداً أن “لا استثمار بدون تمويل، ولا تنمية بدون كهرباء واستقرار أمني”.
ظلال معقدة..
وقال الخبير المصرفي د. وليد دليل إن الحرب ألقت بظلال معقدة على اقتصاد الولاية، بين تراجع حاد في القطاعات التقليدية ومحاولات لتعويض العجز عبر الكفاءة التحصيلية واستيعاب الأنشطة الوافدة.
وأوضح أن القطاع الزراعي والثروة الحيوانية تضررا من ارتفاع تكاليف المدخلات وشح الوقود والمخاطر الأمنية، كما تأثرت عوائد خطوط نقل نفط جنوب السودان، وتراجعت حركة التجارة البينية والحدودية.
وأشار إلى أن استقبال الولاية لأعداد كبيرة من النازحين شكّل ضغطاً على الخدمات، لكنه وفر في المقابل وعاءً ضريبياً جديداً عبر انتقال تجار وأصحاب أعمال إلى مدن النيل الأبيض، ما ساهم في تحريك الإيرادات الخدمية والأسواق.
يبقي القول إن ما حدث في النيل الأبيض هو “إدارة عجز” بامتياز عبر نجاح نسبي في الجباية والإنفاق الموجه، لكنه لا يعالج جذور الأزمة المتمثلة في اقتصاد حرب وتضخم وتراجع إنتاج. ويبقى السؤال مفتوحاً للربعين القادمين: هل تستطيع الولاية الانتقال من “صمود الإيرادات” إلى “تحفيز الإنتاج”؟.


