مقالات : هبوب نيوز
■ حين يتحدث الأكاديمي والمفكر الدكتور صلاح البندر، فإن الحرف يستحيل إلى مبضع جراح يغوص في أحشاء التاريخ ليفسر علل الحاضر؛ هكذا كان المشهد في “ملتقى الكرامة” بمدينة مانشستر البريطانية، حيث تجلى التلاحم الشعبي في أبهى صوره، معبراً عن نبض أمة تخوض معركة الوجود، ومؤكداً أن الجاليات في المهاجر هي “رأس الرمح” في معركة الوعي والإسناد.
■ إن القراءة التحليلية التي قدمها البندر تتجاوز السطح لتؤكد أن الحرب الراهنة ليست صراعاً عابراً على كراسي السلطة، بل هي حلقة جديدة من مسلسل تآمري يمتد لقرنين من الزمان، يستهدف كسر إرادة الأمة السودانية وتغيير هويتها، في مواجهة مشروع استعماري قديم يتجدد بأدوات معاصرة، مما يجعل من دماء الشهداء ضريبة مستحقة لحماية الاستراتيجية الأمنية العليا للبلاد.
■ لعل الأخطر في إفادات البندر هو كشفه للجذور التاريخية لهذا العداء؛ فالسودان الذي استُهدف في عام 1840 بقرارات من مراكز قوى دولية، هو ذاته السودان المستهدف اليوم، ليس فقط لموارده من ذهب ومعادن، بل لرمزيته الروحانية وموقعه الجيوسياسي الذي يمثل حجر الزاوية في أمن المنطقة، وهو ما يفسر استمرارية الاستهداف رغم تعاقب الحقب.
■ وبكل جرأة المفكر، فكك البندر “بروباغندا” الواجهات الإقليمية، مؤكداً أن بعض الدول التي تتوغل في الجرح السوداني ليست سوى مخالب لمشاريع دولية كبرى، مستشهداً بوثائق تثبت دور الأموال السيادية في تخريب حركات التغيير الأصيلة تحت لافتات مضللة، مما يضعنا أمام حقيقة أننا نحارب “الوكيل” بينما “الأصيل” يدير خيوط اللعبة من خلف الستار.
■ إن التحذير من “فخ” المصطلحات الإعلامية كان نقطة جوهرية في المقال، فوصيف ما يجري بـ “الحرب الأهلية” هو اعتراف مجاني بفرية الصراع الداخلي، بينما الحقيقة الصارخة تقول إنه “اعتداء خارجي” تقوده أيادي عميلة، كما أن حصر المعركة بين “جنرالين” هو تضليل متعمد يغفل حقيقة أن الدولة بكامل كيانها ومصالحها العليا هي التي تقع تحت نصل الاستهداف.
■ وفي تشخيصه للمجموعات المتمردة، وضع البندر النقاط على الحروف؛ فلا وجود لما يسمى “دعم سريع” بعد أن حُلّ قانونياً وفعلياً، بل نحن أمام ميليشيات إرهابية و”جنجويد” يعملون كأدوات لتنفيذ أجندات عابرة للحدود، ومن الغريب أن تستمر بعض الوسائط الرسمية في منح هذه المجموعات شرعية المسمى رغم سقوط شرعية الوجود.
■ لم يغفل التحليل “التعتيم الإعلامي” الممنهج، حيث أشار البندر إلى أن تغييب الملف السوداني عن الشاشات العالمية منذ أحداث أكتوبر الماضية لم يكن صدفة، بل هو جزء من مخطط “التغييب القسري” للقضية، لتمكين المخطط من الوصول إلى غاياته بعيداً عن أعين الرقابة الدولية، وهو ما يتطلب يقظة استثنائية من السودانيين في دول المهجر.
■ إنها معركة وعي بامتياز، تفرض علينا التمسك بالهوية الوطنية كخط دفاع أول، وكشف الواجهات التي تدير الصراع بالوكالة؛ فالحفاظ على السودان يبدأ من فهم أن هذا الغزو لا يستهدف شخوص السلطة، وإنما يستهدف وجود الإنسان السوداني على أرضه وسيادته على قراره، وهي الأمانة التي تقع على عاتق كل سوداني أينما حل.


