مقالات : هبوب نيوز
أشكر الأستاذ أيمن كبوش على مقاله الموضوعي «دعوة لجنة التهيئة»، المنشور بصحيفة «العودة» الغراء يوم الأحد، الأول من نوفمبر ٢٠٢٦. والأسئلة التي طرحها تستحق النقاش، لأنها تتيح توضيح مفهوم الحوار الذي تعمل اللجنة على تهيئة المناخ له، وغايته، والأطراف التي ينبغي أن تشارك فيه.
قبل أن نسأل: «نتحاور مع مَن؟»، علينا أن نسأل: «نتحاور من أجل ماذا؟». فالحوار لا تتحدد قيمته بمواقف أطرافه من لجنة التهيئة، بل بما يتيحه للسودانيين من فرصة لمناقشة أسباب الأزمة، والتوافق على أسس تعينهم على إنهاء الحرب ومعالجة أسبابها وإدارة خلافاتهم سلمياً.
ويتطلب السلام المستدام توافقاً وطنياً على أسس الحكم، وإدارة الدولة، وبناء مؤسساتها، وترتيبات الفترة الانتقالية، بما يهيئ لحياة ديمقراطية وممارسة سياسية منضبطة وتداول سلمي للسلطة. ولهذا يقوم الحوار على مسارين متكاملين: مجتمعي وسياسي.
وقد قطعت المشاورات المجتمعية شوطاً كبيراً، عبر لقاءات مع الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية وممثلي الوحدات الإدارية والطرق الصوفية والمرجعيات الدينية، إلى جانب مكونات أخرى. ويتيح هذا المسار الاستماع إلى رؤى الناس واحتياجاتهم، ويعكس تنوع المجتمع السوداني الذي لا تختصره الأحزاب والتحالفات السياسية.
ويكمل المسار السياسي هذا الجهد؛ فالمشاورات المجتمعية تُبرز أولويات المواطنين وتطلعاتهم، فيما يتيح الحوار السياسي مناقشة سبل تحويلها إلى تفاهمات وترتيبات عملية. وينبغي أن يلتقي المساران في عملية وطنية واحدة، حتى يكون لصوت المجتمع أثر في النقاش، وتستند التفاهمات السياسية إلى مشاركة أوسع.
فالمواطنون هم أصحاب المصلحة المباشرة في تحديد مستقبل بلادهم بعد الحرب، ومن حقهم المشاركة في النقاش حول شكل الحكم وإدارة الدولة ومؤسساتها وأولويات المرحلة الانتقالية. وينبغي أن تشمل هذه المشاركة النساء والشباب والنازحين واللاجئين وسائر الفئات التي تأثرت بالحرب. كما لا ينبغي اختزال تمثيل المدنيين في تحالف أو مجموعة سياسية واحدة: للأحزاب حق التعبير عن قواعدها ومواقفها، وللمواطنين حق التعبير عن أنفسهم مباشرة. والاستماع إلى المجتمع يكمل الدور السياسي للأحزاب، ويساعد على أن تأتي التفاهمات معبرة عن تنوع السودان وقابلة لأن تحظى بقبول أوسع.
وللقوى السياسية دور أساسي في الحوار؛ فهي تسهم في تنظيم الحياة السياسية، وطرح البرامج، وبناء التنافس الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة. ولهذا تواصل اللجنة مشاوراتها مع القوى السياسية داخل السودان، كما تتواصل مع القوى المختلفة معها وتستمع إلى مواقفها وتحفظاتها. فالاختلاف لا يمنع المشاركة، والاتفاق المسبق ليس شرطاً للجلوس والحوار.
تعمل اللجنة على تهيئة المجال لهذا الحوار وفتح قنوات التواصل، فيما تقع مسؤولية الوصول إلى التفاهمات على عاتق السودانيين المشاركين فيه. لذلك يُقاس نجاح الحوار بقدرته على إشراكهم في معالجة أسباب الحرب، والاتفاق على إدارة خلافاتهم وصناعة مستقبلهم. وهذا هو الحوار الذي يحتاجه السودان: حوار يشارك فيه أبناؤه، ويضع مصلحة الوطن وحقهم في تقرير مستقبله في صدارة غاياته.


