رمضان محجوب.. يكتب : الآن يابرهان .. أقل حكومة “العلل”..!!

0
9

مقالات : هبوب نيوز

​▪️ يواجه الاقتصاد السوداني اليوم منعطفاً هو الأسوأ في تاريخه، ورغم أن الحرب وتبعاتها الكارثية تمثل السبب الرئيس في هذا الخراب، مضافاً إليها أفعال الحرب الاقتصادية الخفية التي تديرها الإمارات، فإن الواقع يفرض تدخلاً عاجلاً يرفض الاختباء خلف مبررات الظروف، فقد بلغ الضيق بالناس حداً تعطلت معه طاقات الاحتمال وبات العيش جحيماً لا يطاق في كل المدن السودانية ، مما يجعل التمادي في السكوت خيانة لتاريخ النضال الوطني ولمواقف أجيال لم تبخل يوماً بالغال والنفيس، واليوم تقف عاجزة عن توفير أبسط متطلبات البقاء في ظل غياب الرقابة وفوضى الأسواق التي تعبث بأرواح العباد بلا رقيب أو حسيب.

​▪️ جولة ميدانية خاطفة ينفذها رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان صوب أي سوق شعبي في أطراف العاصمة ستكفي لصفع الواقع في وجهه وجعله يصدر مرسوماً فورياً باقالة هذا الطاقم الاقتصادي الذي أكدت التجربة العملية أنه الأسوأ عبر تاريخ الإدارة السودانية، فالمأساة الحقيقية لا تعكسها التقارير المكتبية البائسة ولا لغة الأرقام الصماء التي يرتكن إليها الوزراء في أبراجهم العاجية، بل يترجمها صراخ الباعة المتجولين وأنين الأمهات العاجزات عن توفير لقمة الخبز لأطفالهم، وتلك المشاهد اليومية الحارقة تحتم على رأس الدولة النزول بأنواعه ومعاينة الخراب الذي صنعته عقول إدارية منفصلة تماماً عن هموم الشارع ونبضه المشتعل بالغضب.

​▪️ يتسارع انهيار العملة بخطى جنونية مخيفة، حيث يقترب سعر الدولار من حاجز العشرة آلاف جنيه وسط صمت مريب، وتتآكل مع هذا الصعود المرعب القدرة الشرائية للمواطن بينما تشتعل الأسعار بلا وازع يضبط جشع السوق المفتوح أمام شبكات المضاربة وتجار الأزمات، فالجنيه السوداني فقد قيمته وبات ورقاً متساقطاً لا يسمن ولا يغني من جوع، في وقت تقف فيه المؤسسات النقدية متخندقة خلف عجزها المخزي أمام هذا الطوفان المدمر، ولا تلوح في الأفق أي معالجات حقيقية توقف هذا النزيف المالي المستمر، مما يستوجب إجراءات استثنائية حاسمة تعيد الهيبة للنظام المصرفي وتنقذ ما يمكن إنقاذه من مدخرات الشعب المنهكة.

​▪️ انحدر وضع المواطن تحت إدارة كامل إدريس و حكومته ليصبح حقل تجارب فاشلة لسياسات عشوائية، وكأن تدبير معيشة الملايين يدار بالصدفة والتخمين بمعزل عن أوجاع الحياة الحياة اليومية وقسوتها، حيث يعاني الناس الأمرين من انقطاع الدخل وتوقف الأعمال وغياب الرواتب لأشهر طوال، فالتخبط التنفيذي الواضح في إدارة معاش الناس أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الفريق يعيش في كوكب منفصل عن واقع السودانيين، ويكفي دليلاً على ذلك استمرار الجبايات المجحفة والرسوم الباهظة التي تثقل كاهل السلع الضرورية دون أدنى التفاتة لحالة الفقر المدقع التي تعتصر الغالبية العظمى من الأسر.

​▪️ لا مفر من إدانة قطاع المال والأعمال وسقوطه الأخلاقي؛ فمعظم الموردين وكبار التجار وصغارهم تجردوا من أي وازع ديني أو إنساني أمام أزمة العباد، وتواطأت أيديهم على نهش لحم المواطن البسيط بلا شفقة ولا اعتبار لدموعه وآهاته، بل استغلت شبكات الاحتكار ظروف الحرب لتحقيق أرباح فلكية على أنقاض دماء المستهلكين، متجاوزة كل القيم والأعراف التي عُرف بها المجتمع السوداني، وهذا الجشع المحموم يستوجب قبضة قانونية رادعة تطال كل متلاعب بقوت الشعب وتفرض عقوبات قاسية تعيد الانضباط الأخلاقي للسوق المتهالك.

​▪️ سيدي البرهان ، تلك الدموع الصادقة التي انهمرت من عينيك في قاعة القيادة العامة أمامنا، شكراً لصمود الشعب ونبل التفافه حول الجيش في معركة الكرامة، تستحق أن تترجم اليوم إلى قرار تاريخي شجاع يعيد لهذا المقهور بعض الطمأنينة الاقتصادية والاجتماعية المسلوبة، فتلك الجموع التي حملت السلاح بجانب القوات المسلحة لم تكن تنتظر مناصب ولا مكاسب، بل كانت تبحث عن دولة عادلة تحميهم وتحفظ كرامتهم، وتأخير الاستجابة لمطالبهم المعيشية يفرغ النصر العسكري من مضمونه ويهدد الجبهة الداخلية التي تمثل الحصن المتين لكل تحركات الجيش في الميدان.

​▪️ أما ترتيبات السياسة فذاك شأن آخر ومسار مستقل يمثل رأس الأمر ومفتاح الحل الشامل الذي سيعيد الأمور لنصابها، بيد أن ضائقة المعيشة تظل الهم الضاغط الذي يتقدم على كافة الأولويات في هذه المرحلة الحرجة، فلا استقرار سياسياً يمكن أن يستقيم على وقع بطون خاوية وأسر تعجز عن تأمين وجبة يومها، ولذلك فإن ترحيل الملف المعيشي بحجة انتظار التوافق السياسي هو هروب مكشوف إلى الأمام، لأن الإنسان الذي يصارع الموت جوعاً لا تعنيه تفاصيل الصراعات السياسية بقدر ما يعنيه استقرار معاش أطفاله وكسرة خبزهم.

​▪️ حكومة كامل إدريس التي انقلبت من موعد مرتقب للأمل إلى مصنع دائم للعلل لم تعد تصلح لدقيقة إضافية في سدة القرار التنفيذي، وهذا هو الواقع العاري الذي يمشي بيننا كل صباح ويفرض شجاعة سياسية تقدم مصلحة الشعب على المجاملات الحزبية والترضيات الضيقة، فالتشبث بهذا الطاقم الفاشل يمثل هدراً للوقت وتكريساً للانهيار الممنهج، ولا بديل عن قطع دابر هذا العجز الإداري بقرارات حاسمة تعيد ترتيب البيت من الداخل وتضع الأكفاء في مواقعهم بعيداً عن محاصصات الفشل.

​▪️ سيدي الرئيس ، الاعتراف بهذا السقوط بات حقيقة ساطعة لكل ذي بصيرة، وقد أشرت إلى هذا المعنى ضمناً حين ذكرت في خطابك أن الشعب بحاجة لفريق حكومي يقاسي معه مرارة العيش ويشعر بأوجاعه، فجاء أوان الوفاء لمن أعطى بلا حدود وصبر على نيران الحرب دون أن ينكسر، فالكلمات الطيبة وحدها لا تسد رمق الجائعين، وتنتظر الجماهير ترجمة عملية لتلك الإشارات الرئاسية عبر إزاحة العثّ الإداري الذي استوطن مفاصل الحكومة وأفسد كل فرص النهوض والتعافي المبكر.

​▪️ سيدي البرهان… المعالجة الناجعة والبديل الحقيقي يبدآن بلا تردد بإطاحة هذا الطاقم وتشكيل طوارئ مصغرة من الكفاءات الوطنية النظيفة، تضع نصب أعينها كبح جماح الغلاء وحماية “لقمة العيش” من عبث المضاربين وسياسات العجز الإداري، على أن تتمتع هذه الحكومة المصغرة بصلاحيات استثنائية تؤهلها لاتخاذ قرارات سريعة تضبط السوق وتفرض هيبة الدولة المالية، فالمرحلة لا تحتمل التردد ولا المجاملات على حساب دماء وأقوات الشعب الصابر الذي يترقب بفارغ الصبر بشائر الفرج والعمل الجاد المخلص..

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا