عاجل
الثلاثاء, يوليو 21, 2026
spot_img
الرئيسيةUncategorizedرمضان محجوب .. يكتب : شهادة قلم عاصر الانكسار​.. عصر ​"الشفشافة"..!!

رمضان محجوب .. يكتب : شهادة قلم عاصر الانكسار​.. عصر ​”الشفشافة”..!!

مقالات : هبوب نيوز

​▪️ لم تكن “الشفشفة” سرقة عابرة تُرتكب في غفلة من الزمن، بل أقيمت على عين المليشيا كدورة اقتصادية طفيلية ونمط حياة مفروض، روجت له لتجعله غنيمة مباحة. حين توغلت عناصرها في ديارنا، لم تكن تبحث عن حسم ميداني لشرف المعركة، بل عن استباحة شاملة تعري الإنسان وتفرغ بيته من زاد عمره ومستندات وجوده. فصار النهب هو العصب المحرك لخطاهم، وتحول المواطن في عيونهم المريضة إلى مجرد مخزن ممتلكات مفتوح يستباح متى شاءوا.

​▪️ هنا هوى للأسف كثيرون ممن كنا نحسبهم أصحاب نخوة وشهامة. رأيت بأم عيني جيراناً كنت احسبهم اهل سبق وصدق أقسموا قديماً على صون الجار، وهم يقتحمون المتاجر والبيوت الآمنة في قلب الخرطوم، ثم يعودون غدواً وعشياً بما سرقوه ليعرضوه في أسواق علنية اسموها “اسواق دقلو” بلا غضاضة ولا خجل. منظر يفطر المهج؛ أن ترى ثمرة كد السنين وتباشير التعب تباع أمام ناظريك بثمن بخس في أسواق السلب والنهب العشوائية.

​▪️ ولم ترتوِ تلك الأطماع الهوجاء عند حدود العقار أو المتاجر، فامتدت الأيدي الآثمة نحو الدواجن والمواشي في المزارع، ولم ترتدع حتى عن اقتلاع أبواب المنازل وتجريد الجدران من أسلاك الكهرباء والنحاس. أحالوا الخرطوم العريقة إلى مدينة أشباح موحشة، لا يكسر صمتها المأساوي سوى هدير الشاحنات العابرة التي تنقل أثاثات البيوت لجهات مجهولة، وسط حالة من الصمت والوجوم والخوف المخيم على الجميع.

​▪️ وتكرر ذات المشهد الدميم في ولاية الجزيرة. فما إن وطأت أقدام المليشيا مدني حتى تسابق ضعاف النفوس نحو سلب كل ما وقعت عليه أيديهم؛ متاجر، مصانع، وحتى منازل الغياب التي تركها أصحابها بحثاً عن الملاذ الآمن. مشهد يدمي الفؤاد حين يتجرد آدمي من إنسانيته ليتحول إلى ذئب كاسر يقتات على محنة جاره، وكأن ما بين الجنبات من حياء قد تبخر للأبد.

​▪️ أما محاولة تعليق هذه الموبقات على شماعة الفقر فليست سوى كذبة سمجة يلوكها مهتزو الضمائر لتسكين شعورهم بالإثم. الفقر الشريف لا يدفع للسرقة، شاهدت من يرتكبون الفظائع وهم في بحبوحة تامة، دافعهم الوحيد هو شهوة الاستحواذ على ما ليس لهم. هي ثقافة الغنيمة المسمومة التي زرعتها المليشيا لتفرخ وعياً مشوهاً في أجيال تنشأ وترضع ظنّاً أن سلب الآخرين حق مكتسب.

​▪️ انفرط عقد القانون وغاب الردع المجتمعي الذي كان يحجز النفوس عن ارتكاب الحرام. وبات “الشفشاف” يتبجح بفعلته، يروي بفخر مزيف تفاصيل اقتحامه وكأنه أتى بفتح مبين. هذا الانهيار الأخلاقي هو الطامة الكبرى؛ فتعويض الحطام والمال هين يسير، لكن من يجرؤ على إخبارنا كيف نغسل بعض الضمائر التي تمرغت في أوحال الشفشفة والحرام؟

​▪️ عواقب هذا السقوط على الأجيال الناشئة ستكون كارثية بكل المقاييس. فالصغير الذي يرى أباه عائداً بغنيمة مسروقة سينشأ معتقداً أن هذا هو درب النجاة والرزق الوحيد. نعم لقد عاثت المليشيا عبر حربها فساداً في المعايير الراسخة التي هذبتنا، فصار معيار النجاح يقاس بحجم المسلوب لا بعرق الجبين وجهد اليد الشريفة، وهو ما ينذر بضياع مناعة المجتمع الأخلاقية التي صمدت دهوراً.

​▪️ كم أستعيد تلك الأيام الخلت حين كان الإنسان يستحي من مثقال ذرة أخذت بالخطأ من جاره، لنصل اليوم إلى درك أصبح فيه النهب سلوكاً جماعياً مألوفاً. عدوى خبيثة انتقلت من سلوك المليشيا إلى الفرد، لتفرز مجتمَعَ غابةٍ يقوم على السلب والنهب.وهذا لعمري انحدار قيمي غير مسبوق يضعنا أمام أسئلة موجعة عن ملامح هذا المجتمع الذي تتشكل ملامحه تحت وطأة غياب القانون وسطوة الفوضى.

​▪️ إنها ليست مجرد أثاثات مفقودة، بل هي أعمار كاملة تبخرت وذكريات عزيزة تم العبث بها بلا مبالاة. وانت تقف ناظراً إلى ملابس أطفالك تعرض على قارعة الطريق للبيع لعمري انه وجع لا تصفه الحروف. هؤلاء السدنة يجهلون أن ما استولوا عليه سيطاردهم كلعنة الي يوم الحساب حيث عند الله تجتمع الخصوم ؛ فعدالة السماء وإن أمهلت فإنها لا تغفل عمن استباح حرمة بيت أخيه وروّع أهله.

​▪️ حتمية التوثيق تفرض نفسها لكل من تورط في هذا العار. لابد أن يعرف المجتمع لصوصه بأسمائهم، فالتستر على هؤلاء خيانة للدين والمروءة معاً. المجتمعات الحية هي التي تلفظ الخارجين عن طوق الشرف. ونحن اليوم في أشد الحاجة لفرز الصفوف وتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، فلا عودة للصوص إلى حاضنة المجتمع إلا بتوبة نصوح ورد المظالم لأهلها كاملة غير منقوصة.

​▪️ ما نشهده اليوم من عمليات “شفشفة” ليس سوى الوجه الآخر للحرب؛ وجه القبح والغدر والطمع الدفين. فالمليشيا لم تسع لاحتلال رقعة جغرافية بقدر ما سعت لغزو منظومة القيم وتدمير إرثنا الروحي والأخلاقي. ونحن هنا نقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام لهذا الوحل، أو المقاومة الحية برفض تام ومقاطعة لكل أسواق النهب مهما بلغ الثمن، حصانة لأنفسنا من التلوث بالحرام.

​▪️ ولن يكون هناك تعافي مجتمعي حقيقي دون ترسيخ قواعد العدالة ومحاسبة كل متورط. فغياب المساءلة يفضي إلى ضياع الحقوق ويغري الجناة بالمضي في غيهم. سنظل نرفع صوتنا مطالبين بالإنصاف، ومؤرخين بدقة لهذه الحقبة المعتمة حتى لا يطويها النسيان.

​▪️ أحذر نفسي ومن حولى من مغبة استمرار هذه الثقافة المسمومة في تلويث وجداننا الجمعي. ينبغي أن نظل في حالة يقظة دائمة، وأن نحصن أطفالنا ضد هذا الانحراف السلوكي المشين، فما أتاه الكسب الحرام من دبر إلا وأهلكه. قد يخيل لهؤلاء أنهم ظفروا، لكن الحقيقة أنهم خسروا ذواتهم وارتكسوا في درك اللصوصية الرخيصة.

​▪️ وعلى الرغم من هول الدمار، ما زالت بقية من الشرفاء تقف صامدة ترفض الانخراط في هذا التيار الجارف. هم المنارة والأمل المتبقي لحماية ما تبقى من نسيجنا القيمي. لزاماً علينا الالتفاف حولهم وتأكيد أن شعبنا يظل حياً بنبض الشرف وعزّة النفس ورفضه المطلق للحرام مهما اشتدت النوازل.

​▪️ وهكذا، بين أنقاض ما خلفته آلة الحرب وسعي الضمائر الحية للتعافي، تبقى الشهادة حبرًا يحفظ التاريخ من التزييف، ويقينًا بأن غيمة الطمع مهما طال أمدها فحتماً تنقشع عن فجر أبهى وأطهر.

​نواصل

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

الأكثر قـراءة