حشود المليشيا وضربات المُسيّرات..تصاعد المخاوف..
تحذير من تكرار سيناريو الفاشر وبابنوسة ..الجيش يتأهّب..
مواطنون يتمسكون بالبقاء ويرفضون النزوح..ثقة وطمأنينة..
مراقبون: معركة كردفان مفتاح الحسم والطريق إلى دارفور..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو:
تتجه الأنظار نحو مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان، وسط حالة من القلق والترقّب في الأوساط السودانية بالداخل والخارج، بعد تداول أنباء على منصات التواصل الاجتماعي تتحدث عن استعدادات وحشود عسكرية لميليشيا الدعم السريع تمهيداً لتنفيذ هجوم واسع على المدينة الاستراتيجية التي تمثل قلب إقليم كردفان وصرة السودان الجغرافية، وتأتي هذه المخاوف في وقت تتعرّض فيه المدينة بصورة يومية لهجمات بالطائرات المسيّرة تستهدف الأحياء السكنية والمرافق الخدمية والبنيات التحتية، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان السيناريوهات التي شهدتها مدن أخرى تعرضت لحصار واستنزاف طويل قبل أن تسقط في قبضة الميليشيا، بينما تتواصل في المقابل رسائل الطمأنة الرسمية والشعبية التي تؤكد قدرة الأبيض على الصمود والتصدي لأي تهديد محتمل.
سيناريو الانتهاكات:
ولا تنبع المخاوف المتصاعدة بشأن الأبيض من فراغ، وإنما تستند إلى تجارب مريرة عاشها السودانيون خلال العامين الماضيين، عندما تعرّضت مدينتا الفاشر وبابنوسة لسلسلة طويلة من الهجمات والاستهداف المستمر قبل أن تتحولا إلى ساحتي معارك مفتوحة أرهقت السكان واستنزفت الموارد، ويرى كثير من السودانيين أن تكرار الاستهداف بالطائرات المسيّرة وارتفاع وتيرة الحملات الإعلامية المصاحبة يثير مخاوف مشروعة من محاولة إعادة إنتاج ذات السيناريو في الأبيض، خاصة بالنظر إلى موقع المدينة الاستراتيجي الذي يجعلها مفتاحاً مهماً لأي تحركات عسكرية في إقليم كردفان، غير أن مراقبين يستبعدون تكرار تجربة الفاشر وبابنوسة بالصورة ذاتها، مستندين إلى التراجع الواضح في القدرات العسكرية لميليشيا الدعم السريع، التي تواجه حالة من التفكك والانشقاقات والخسائر الميدانية المتلاحقة،كما يشير هؤلاء إلى أن الميليشيا، رغم استمرار حصولها على الدعم اللوجستي الخارجي من دويلة الإمارات، لم تعد تمتلك الزخم العملياتي الذي كانت تتمتع به في المراحل الأولى للحرب، خاصة مع تنامي قدرة الجيش السوداني على رصد خطوط الإمداد واستهدافها بشكل متكرر، ولكن ومع هذه التقديرات المتفائلة نسبياً، يؤكد متابعون للشأن العسكري أن الحيطة والحذر يظلان واجبين، وأن التعامل مع أي تهديد محتمل ينبغي أن يتم بجدية كاملة، خصوصاً في ظل طبيعة الحرب الحالية التي تعتمد على المفاجأة والاستنزاف والحرب النفسية بقدر اعتمادها على المواجهات المباشرة.
إصرار وصمود:
وداخل مدينة الأبيض تبدو الصورة مختلفة عن تلك التي ترسمها الشائعات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، ففي أحاديث متواترة لمواطنين تحدثوا ( للكرامة) من داخل المدينة، تتجلى روح التحدي والإصرار على البقاء رغم الظروف المعقدة التي يعيشها السكان نتيجة أزمة المياه وارتفاع الأسعار والاستهداف المتكرر بالطائرات المسيّرة، ويؤكد كثير من الأهالي أنهم متمسكون بالبقاء في مدينتهم ورفض النزوح منها مهما كانت التحديات، معتبرين أن الأبيض تمثل رمزاً للصمود الوطني لا يمكن التخلي عنه، يأتي ذلك في وقت، ارتفعت فيه أصوات تطالب القيادة السياسية والعسكرية باتخاذ خطوات أكثر حسماً عبر توسيع نطاق العمليات العسكرية لاستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيا في كردفان، بدءاً من حمرة الشيخ، وبارا، وأم صميمة، والخوي، والنهود، والدبيبات، وصولاً إلى فتح الطريق نحو دارفور، ويعتقد هؤلاء أن الخطر على الأبيض سيظل قائماً طالما بقيت تلك المناطق تحت سيطرة المتمردين، متسائلين عن أسباب عدم ( فكِّ اللجام) عن المتحركات العسكرية الجاهزة للانطلاق؟!، وفي مواجهة المخاوف المتزايدة من سقوط المدينة، عبّر عدد من المتابعين عن ثقتهم الكاملة في قدرة الأبيض على الصمود، مرددين العبارة التي انتشرت على نطاق واسع: {لا المليشيا ماحتدخل الأبيض ولا عندها القوة البتدخلها الأبيض}، ويذهب بعضهم إلى أن ما يجري حالياً لا يتجاوز كونه جزءاً من حرب نفسية منظمة، مشيرين النشاط المكثف لإعلام الميليشيا، مؤكدين أن الحشود المتداولة حول المدينة لا تعني بالضرورة وجود قدرة حقيقية على اقتحامها، خاصة في ظل إدراك الميليشيا لطبيعة قوات “الهجانة أم ريش، أساس الجيش” ومكانتها القتالية، فضلاً عن الروح القتالية المعروفة لأبناء كردفان.
الهجانة في الوجدان:
ونقل الصحفي عثمان يونس من داخل مدينة الأبيض أب “قَبَّة فحل الديوم” صورةً مغايرة لما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستعرضاً تفاصيل جولة قائد الفرقة الخامسة مشاة {الهجانة} اللواء الركن صديق الجيلي برفقة عدد من الصحفيين والإعلاميين داخل الأسواق والأحياء، وقال يونس، في إفادته (للكرامة) إن الجولة شهدت تفاعلاً جماهيرياً واسعاً، حيث استقبل المواطنون الوفد بالتكبير والتهليل والزغاريد، فيما ذرف بعضهم الدموع تعبيراً عن الثقة والاعتزاز بالقوات المسلحة وقوات الهجانة، منوهاً أن الجولة آوضحت بجلاء المكانة التاريخية والوطنية التي تحتلها قوات الهجانة في وجدان أهل كردفان والسودانيين عموماً، مشيراً إلى أن الأبيض ظلت عبر مختلف المراحل رمزاً للصمود والتماسك الوطني وحصناً استعصى على محاولات الاستهداف والإخضاع، وأكد عثمان أن الجولة عكست بوضوح مستوى الاستعداد والانضباط والمعنويات المرتفعة وسط القوات المرابطة في المدينة، كما نقلت للرأي العام صورة ميدانية مختلفة عن تلك التي تحاول الشائعات والحملات الإعلامية رسمها، وشدد يونس على أن الأبيض ما تزال عصية على الانكسار، وأنها تؤكد كل يوم مكانتها كمدينة تحمل راية الوطنية السودانية، وأن أمنها واستقرارها يمثلان خطاً أحمراً يحرسه رجال عقدوا العزم على الدفاع عنها مهما بلغت التحديات.
أهمية سياسية وعسكرية:
وبإجماع مراقبين تكشف حالة القلق المتصاعدة حول مدينة الأبيض ( عروس الرمال) عن إدراك واسع للأهمية العسكرية والسياسية للمدينة، فالأبيض التي تمثل مركز اً إدارياً لولاية شمال كردفان، تشكل عقدة مواصلات حيوية تربط غرب السودان بشرقه وشماله بجنوبه، وهو ما يجعلها هدفاً ذا قيمة استراتيجية لأي طرف يسعى لتوسيع نفوذه الميداني، ولهذا السبب تتزايد الدعوات الشعبية المطالبة بتحرك الجيش نحو استعادة السيطرة الكاملة على إقليم كردفان وقطع طرق الإمداد والحركة أمام ميليشيا الدعم السريع ومرتزقتها، باعتبار أن تأمين الأبيض بصورة دائمة لن يتحقق فقط عبر الدفاع عنها، وإنما عبر إزالة مصادر التهديد المحيطة بها، ورغم أن قطاعات واسعة من المواطنين تعلن ثقتها في خطط القيادة العسكرية وتقديرها لتعقيدات إدارة الحرب، فإن الزخم الإعلامي الذي تصنعه غرف الميليشيا حول حشودها وتحركاتها يسهم في رفع مستوى القلق لدى المواطنين، ويستند هذا القلق إلى حقيقة أن الأبيض تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية في معادلة الحرب، وأن أي تهديد جدي لها ستكون له انعكاسات واسعة على مجمل المشهد العسكري في السودان، وفي المقابل، يرى مراقبون أن نجاح الجيش في تثبيت سيطرته على الأبيض وتحويلها إلى نقطة انطلاق لاستعادة بقية مدن كردفان قد يشكل تحولاً استراتيجياً مهماً في مسار الحرب ويفتح الطريق نحو استعادة مناطق أوسع في دارفور.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. وفي ظل استمرار الشائعات والتحليلات والتوقعات، تبقى مدينة الأبيض في قلب الاهتمام الوطني باعتبارها واحدة من أهم المدن السودانية وأكثرها تأثيراً في معادلات الحرب والسلام، فالمخاوف الشعبية من تكرار سيناريوهات سابقة تظل حاضرة، لكن في المقابل تتصاعد رسائل الثقة والصمود الصادرة من داخل المدينة ومن قياداتها العسكرية ومواطنيها الذين يراهنون على تاريخ مدينتهم العريق وقوة الهجانة وصلابة المجتمع الكردفاني في مواجهة كل التحديات، مؤكدين أن عروس الرمال ستظل رقماً صعباً في معادلة السودان ومستقبله، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.


