مقالات : هبوب نيوز
ليست كل الحروب تُحسم في الميدان وحده، فبعضها يُخاض في مستوى الوعي والوجود. وفي السودان منذ أبريل 2023، تتجاوز الحرب صراع النفوذ والموارد إلى سؤال الدولة؟ كيف يُصان معناها ويُحفظ تماسكها وهي تتعرض لأخطر مراحل إعادة تشكيلها تحت ضغط العنف والانقسام.
في هذا السياق انتشر الاسبوع الماضي على منصات التواصل الاجتماعي نص منسوب إلى خبير عربي وآخر أجنبي، يتضمن تحليلات مطولة حول طبيعة الدولة السودانية، بأنها “جغرافيا” أو “مساحة إدارية” فاقدة للرابط الوطني. وخطورة هذا النوع من الخطاب، تتعلق بوظيفته في لحظة الحرب، فهو يحاول إعادة تشكيلة ذهنية الرأي العام عبر تثبيت تصور معين للدولة السودانية بوصفها كيانًا هشًا أو غير مكتمل.
وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية. حين يصبح هذا التصور قابلًا للتداول دون انتباه، في مجتمع يعيش حربًا مفتوحة تتعدد فيها أشكال الحرب النفسية الموجهة ، فإننا نكون، أمام تحول في “الوعي السياسي”، حيث تتقدم السرديات التي تكرس الانهيار على السرديات التي تدعم إعادة البناء. بهذا المعنى، يصبح النص المتداول جزءًا من أدوات الحرب من خلال تعريف الممكن والمستحيل في المستقبل السياسي.
أحد أكثر ما يلفت في هذا النص هو فرضية أن الانتماء القبلي يتقدم على الانتماء الوطني، وأن الدولة السودانية لم تنجح في إنتاج ولاء جامع. غير أن هذه الفرضية، غير صحيحة . فالسودان عرف التماسك الوطني المتجاوز للقبيلة، تجلى ذلك في ثلاثة ثورات ، أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وابريل 2019،حيث تشكل فعل سياسي جماعي أطاح بأنظمة حكم متعاقبة. هذه مؤشر على وجود طاقة اجتماعية قادرة على إنتاج “إرادة عامة” تتجاوز الانقسام، حتى وإن عجزت عن تحويله إلى استقرار.
الأهم من ذلك أن هذا الفعل السياسي لم يكن محليًا أو جزئيًا، بل وطنيًا في بنيته الأساسية والتنظيمية، ما يكشف أن سؤال الدولة في السودان ليس سؤال غياب انتماء، بل سؤال تعثر تحويل الانتماء إلى مؤسسات مستقرة.
وعلى امتداد التاريخ عرف السودان بعمقه الحضاري في وادي النيل ، شهد منذ آلاف السنين تعاقب ممالك كبرى مثل كوش ونبتة ومروي، وسنار، ثم تحولات سياسية ودينية متعددة في العصور المسيحية والإسلامية، وصولًا إلى الدولة الحديثة. هذا التراكم، ينفي فكرة “الفراغ التاريخي”،


