عاجل
السبت, فبراير 14, 2026
spot_img
الرئيسيةUncategorizedآنواء.. رمضان محجوب : " َإكس".. عبقرية المنطقة..!!

آنواء.. رمضان محجوب : ” َإكس”.. عبقرية المنطقة..!!

مقالات : هبوب نيوز

​■ تطل علينا الدراما السودانية في هذا الموسم الرمضاني الاستثنائي وهي ترتدي ثوب المسؤولية الوطنية، حيث يبرز مسلسل “المنطقة إكس” للمخرج المبدع أبوبكر الشيخ كعمل لا يتوقف عند حدود الترفيه، بل يتجاوزها ليكون شاهداً حياً ووثيقة فنية تؤرخ لمرحلة مفصلية من تاريخ بلادنا، مسجلاً بمداد من نور ونار تفاصيل معركة الوجود التي خاضها الشعب السوداني ضد غدر المليشيا الممنهج، في صياغة درامية ستحبس أنفاس الملايين وستعيد صياغة مفهوم الفن الملتزم بقضايا الأرض والعرض.

​■ أهمية هذا العمل تنبع من كونه انه يمثل الجبهة الثقافية في معركة الهوية، حيث اختار المخرج أن يغوص في عمق الانتهاكات التي مارستها المليشيا المتمردة، محولاً الصرخات المكتومة لضحايا البيوت المنهوبة والمؤسسات المدمرة إلى لغة درامية بليغة تصل إلى وجدان المشاهد، وتفضح الممارسات الإجرامية التي حاولت عبثاً طمس هوية الدولة وتمزيق نسيجها الاجتماعي المتماسك، فجاءت كل لقطة بمثابة صفعة في وجه الزيف الذي حاول المتمردون ترويجه طوال الفترة الماضية.

​■ تدور فكرة المسلسل حول “المنطقة إكس” كمكان وزمان يختزلان تجربة الصمود السودانية الفريدة، حيث لا تعدو القصة كونها رصداً دقيقاً لواقع المدن التي استباحها المخربون، مصوراً التباين الصارخ بين قيم الدولة الراسخة التي تمثلها المؤسسات النظامية وبين همجية الانفلات، مما يجعل المسلسل بمثابة “محاكمة درامية” عادلة لكل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء أو انتهب حقوق المتقاعدين والكادحين، موثقاً لمرحلة من أحلك ظروف السودان.

​■ تتجلى عبقرية السيناريو في بناء حبكة درامية متماسكة لا تعتمد على الخيال المجرد، بل تستلهم أحداثها من تقارير الواقع الحي وشهادات الناجين، وهو ما جعل الأحداث تتصاعد في إيقاع لاهث يشبه نبض الشارع السوداني تحت وطأة الحصار، حيث تتشابك خيوط القصص لتروي حكايا الأسر التي هُجرت من ديارها قسراً، والمعاناة التي عاشها الإنسان السوداني وهو يتمسك بحقه في الحياة والشموخ، رافضاً الانكسار أمام آلة الحرب والدمار التي لم ترحم شيخاً ولا طفلاً.

​■ فمسلسل المنطقة إكس يمثل امتداداً لنضال القلم والموقف الصلب الذي يتبناه الشرفاء من أبناء الوطن، وهو يتقاطع في أهدافه مع كل منادٍ بحقوق المستضعفين، فالعدو الذي دمر مباني إدارة المعاشيين بالسجانة هو نفسه الذي يسعى المسلسل لتعريته درامياً أمام الرأي العام، مما يجعل الفن والواقع يسيران في خط واحد نحو هدف مشترك وهو استعادة هيبة الدولة وصون كرامة إنسانها الذي دفع أغلى الأثمان في سبيل الحرية.

​■ والرمزية التي يحملها اسم المسلسل تشير إلى أن كل شبر من أرض النيل دنسه التمرد هو “منطقة إكس” يجب تطهيرها بالوعي قبل السلاح، فالتوثيق للانتهاكات هو الخطوة الأولى نحو تحقيق العدالة الناجزة، والدراما هي الوسيلة الأبقى لتخليد بطولات الجيش والقوات المسلحة والشرطة والشعب في معركة تعد هي الأشرس والأكثر نبلاً في تاريخنا الحديث، حيث يتوحد الوجدان الوطني خلف راية الحق.

​■ اذا فمسلسل “المنطقة إكس” هو امتداد طبيعي لنضال الكلمة والموقف، فهو يسعى لترسيخ مفهوم “دراما المقاومة” التي لا تكتفي برصد الوجع، بل تخلد بطولات الشعب والقوات النظامية في معركة الكرامة، ليكون العمل صرخة فنية مدوية في وجه الإرهاب، وسنداً معنوياً لقواتنا الباسلة والقوات المساندة لها وهي تسطر ملاحم الفداء في كل شبر من أرض السودان الطاهرة، وتستعيد الحقوق المسلوبة.

​■ هذا العمل يثبت أن المبدع السوداني هو مرآة شعبه، فحينما تنطق الكاميرا بلسان الضحايا وتوثق غطرسة المعتدي، يتحول الفن من مجرد تسلية إلى سلاح استراتيجي في معركة الوعي، وهو ما نجح فيه فريق العمل بامتياز، مقدمين تجربة درامية ستظل محفورة في ذاكرة المشاهد كواحدة من أقوى المواقف الفنية المساندة لقضية الوطن العادلة، ولتكون مرجعاً للأجيال القادمة عن صمود الشعب أمام المحن.

​■ وضع المخرج أبوبكر الشيخ بصمته الفنية عبر رؤية إخراجية متطورة، حيث استغل المواقع التي طالها التخريب ليعطي العمل مسحة من الواقعية المؤلمة، فكانت الكاميرا تتجول بين الركام لتنقل حجم الدمار الذي لحق بالأعيان المدنية، وهي رسالة بصرية صامتة أبلغ من ألف خطابة، تؤكد أن التوثيق الدرامي هو الحارس الأمين لذاكرة الأمة من التزييف أو محاولات النسيان التي يسعى إليها المعتدون لطمس معالم جرائمهم النكراء.

​■ وكعهدنا به فإننا على موعد مع المبدع أبوبكر الشيخ من خلال هذا العمل أن يقدم درساً في كيفية تطويع الإمكانيات لخدمة القضايا الكبرى، حيث لم يمنع الحصار ولا ظروف الحرب من إنتاج عمل فني رفيع المستوى، يتحدى الظروف الأمنية واللوجستية المعقدة، تماماً كما تتحدى إرادة الحياة في الإنسان السوداني كل محاولات التركيع والإذلال التي مارستها المليشيا المتمردة وداعميها طوال الأشهر الماضية، مؤكداً أن الإبداع لا يموت تحت القصف بل يزداد توهجاً.

​■ شكراً نبيلاً للمخرج أبوبكر الشيخ على تواصل هذا العطاء الإبداعي للعام الثاني توالياً، حيث يبرهن في كل لقطة أن الكاميرا يمكن أن تكون بندقية في يد المقاتل، وأن الفن السوداني الأصيل لا يتخلي عن خندقه الوطني في أحلك الظروف، بل يظل منارة تشع بالحق والجمال في وجه أباطيل المتمردين وأذنابهم الذين باعوا الوطن في سوق النخاسة السياسية، فكان الفن لهم بالمرصاد يكشف سوأتهم.

​■ عموما ، يظل “المنطقة إكس” علامة فارقة في جبين الإبداع، ورسالة محبة ووفاء من أهل الفن إلى أهل الحق في خنادق الميدان، فالتوثيق للحرب بالدراما هو الضمانة الوحيدة لكي لا تُسرق تضحيات هذا الشعب الصابر، وليعلم العالم أجمع أن السودان عصي على الانكسار طالما كانت كلمته وفنه وبندقيته في اتجاه واحد.. فالحق يعلو ولا يُعلى عليه، والنصر قاب قوسين أو أدنى بإذن الله.. وكفى بالله شهيداً

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

الأكثر قـراءة