تقرير : إسماعيل جبريل تيسو
مطالبات بالانتقال من الدفاع إلى المبادرة الهجومية المنظّمة..
إقرار من قيادات التمرّد بالهزيمة ..دعوا لتأجيل الهجوم..
والي جنوب كردفان: المدينة ستظل عصية على كل محاولات الاختراق..
مازال صدى الانتصار الساحق الذي حققته مدينة الدلنج العاصمة الثقافية والعلمية لولاية جنوب كردفان، إقليم جبال النوبة، على مليشيا الحركة الشعبية، ومليشيا الدعم السريع، وبمساندة مرتزقة من أثيوبيا، ومن جنوب السودان، حيث شهدت المدينة واحدة من أعنف المعارك خلال الفترة الأخيرة، ونجحت في صدِّ هذا الهجوم وتكبيد المهاجمين خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وسط تأكيدات ميدانية بأن القوات المهاجمة تكبدت هزيمة قاسية، أقرّ بها بعض عناصرها، محذرين من مغبة تكرار محاولة اقتحام المدينة ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة.
تصدّر الترند:
وخلال الساعات الماضية، تصدّرت مدينة الدلنج منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن تحولت إلى حديث الرأي العام، عقب نجاحها في صدّ الهجوم الثالث خلال شهر واحد، وبحسب مصادر ميدانية، فإن الهجوم الأخير نُفذ عبر عدة محاور بواسطة قوات تحالف (الحلو – دقلو)، باستخدام ما بين “120” إلى “130” مركبة قتالية، إلى جانب دعم بالطائرات المسيّرة التي استهدفت مواقع في المناطق الجبلية، وأشارت المصادر إلى أن القوات المدافعة اتبعت تكتيكاً عسكرياً محكماً، حيث سمحت بتقدم المهاجمين حتى تخوم حي الخليج، قبل تنفيذ هجوم مضاد مباغت أربك صفوفهم وأجبرهم على التراجع، تاركين خلفهم مركبات مدمرة وأسلحة وكميات من الذخائر، فضلاً عن قتلى وجرحى، كما أكدت المعلومات مقتل قائد القوة المهاجمة، يعقوب الصادق، خلال المواجهات، في ضربة وصفت بأنها مؤثرة على تماسك القوة المهاجمة.
اعترافات بالهزيمة:
وفي تطور لافت، أقرت قيادات ميدانية تتبع للحركة الشعبية – شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، بتعرّض قواتها لهزيمة كبيرة في الدلنج، مشيرة إلى أن طبيعة المنطقة الجغرافية والتضاريس الوعرة شكلت تحدياً كبيراً أمام القوات المهاجمة، وبحسب هذه القيادات، فإن الدلنج تختلف عسكرياً عن غيرها من المناطق، ما يتطلب استعدادات خاصة وخططاً طويلة الأمد للتعامل معها، مقترحة تأجيل أي محاولة جديدة لاقتحامها إلى حين استكمال السيطرة على مناطق أخرى. وأكدت أن القتال في الدلنج يحتاج إلى “نَفَس طويل” وتجنب المجازفات المكلفة، في ظل امتلاك القوات المدافعة معرفة دقيقة بجغرافيا المنطقة، ما يمنحها أفضلية ميدانية واضحة، مستشهدة بتجارب سابقة تؤكد صعوبة السيطرة على المدينة.
مطلوبات المرحلة:
وفي ضوء تكرار الهجمات على مدينة الدلنج، شدّد خبراء عسكريون على ضرورة تدخل القيادة العليا للدولة بخطة حاسمة تمنع إعادة سيناريوهات مدن مثل الفاشر وبابنوسة، وذلك بالانتقال من مرحلة الدفاع إلى المبادرة الهجومية المنظمة، وأشاروا إلى أهمية الإسراع في تحرير منطقة (الدبيبات) باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية، والعمل على فك الحصار عن الدلنج من الجهة الشمالية، بالتوازي مع تنفيذ عمليات عسكرية لتطهير مناطق غرب الدلنج التي تتحصن فيها قوات الحركة الشعبية، كما دعوا إلى إطلاق يد المتحركات العسكرية المنتشرة في إقليم جبال النوبة بشكل متزامن، بحيث تتقدم قوة رئيسة نحو مدينة (كاودة)، المعقل الرئيس للحركة الشعبية في إقليم جبال النوبة، على أن تتحرك قوة أخرى نحو مناطق غرب كردفان التي تمثل خطوط إمداد رئيسة وتمثل ” فزعاً” مستمراً للميليشيا المتمردة، ويرى الخبراء أن هذا التحرك المتكامل، إذا ما تم تنفيذه وفق تنسيق عالٍ، من شأنه تغيير ميزان المعركة، وقطع خطوط الإمداد، وفرض واقع ميداني جديد يحد من تكرار الهجمات على الدلنج ويؤسس لمرحلة استقرار أوسع في ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة.
إشادة بالانتصار:
وأشاد والي ولاية جنوب كردفان، الأستاذ محمد إبراهيم عبد الكريم، بالتضحيات الكبيرة التي قدمتها القوات المسلحة، ممثلة في الفرقة الرابعة مشاة كادقلي واللواء (54) الدلنج، إلى جانب الشرطة والأجهزة الأمنية والمستنفرين والمجاهدين والمقاومة الشعبية، وأكد الوالي في إفادته للكرامة من كادقلي أن ما تحقق يمثل نصراً جديداً يعكس وحدة الصف الوطني وصلابة الإرادة القتالية، مشدداً على أن الدلنج ستظل عصية على كل محاولات الاختراق، وأنها ستكون “مقبرة” لكل من يحاول زعزعة أمن ولايته، كما جدد الوالي ثقته في قدرة القوات على حسم التمرد، داعياً المواطنين إلى التكاتف والوقوف خلف قواتهم لضمان استقرار ولاية جنوب كردفان.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن معركة الدلنج قد كشفت عن عدة دلالات استراتيجية، أبرزها أن الحسم العسكري لا يرتبط فقط بحجم القوة المهاجمة، بل بمدى فهم طبيعة الأرض وإدارة المعركة بذكاء تكتيكي، وأن الدلنج تمثل اليوم نقطة ارتكاز في معادلة الصراع، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الإرادة، ويتحول الصمود إلى عنصر حاسم في رسم ملامح المرحلة القادمة.


