مقالات : هبوب نيوز
في حياة الناس أشياء كبيرة تشغل العناوين، وأخرى صغيرة تمر بهدوء دون أن يلتفت إليها أحد. غير أن الحقيقة التي نكتشفها مع مرور الأيام والسنين هي أن ما يجمع البشر في النهاية ليس تلك الأحداث الضخمة التي تتصدر الأخبار وتشغل الناس، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي تتسلل إلى الحياة دون ضجيج، وتترك أثرها العميق في الذاكرة والإنسان والتجربة .
الأوطان أيضًا لها تفاصيلها الخاصة ، فبين الجغرافيا والسياسة، تنمو عادات ثقافية بسيطة تصنع روح المجتمع. فليلة مسرحية دافئة، أو ندوة ثقافية عابرة، أو جلسة قراءة في مكتبة ، قد تبدو تفاصيل صغيرة ، لكن في حقيقتها تشكل جزءًا أصيلًا من التجربة ، وربما تكون نقطة تحول في وعي المجتمعات وسلوكها.
ولعل من عاش شيئًا من ليالي أم درمان الثقافية يدرك كيف كانت المدينة تتحول في المساء إلى فضاء للحوار والجمال. هناك، حيث تختلط أصوات الشعر بالموسيقى، وتلتقي الوجوه حول فكرة أو كتاب أو عرض مسرحي، كان الناس يكتشفون أن الثقافة أسلوب حياة وجسرًا يصل بين القلوب.
في تلك الأجواء تشكل وعي أجيال كاملة ، ومرّت أسماء أصبحت علامات في الثقافة السودانية، من شعراء امثال مصطفى سند وسيف الدسوقي، إلى مفكرين وكتاب مثل الطيب صالح وحمدنا الله عبد القادر، وأصوات فكرية أمثال ابو القاسم حاج حمد ، وغيرهم ممن رأوا في الكلمة مسؤولية وأمانة قبل أن تكون تعبير .
ومن بين تلك الأشياء الصغيرة التي تبقى خالدة في الذاكرة، لحظة لا تُنسى حين ذهبنا، ضمن مشاركة طلابية، إلى قاعة الصداقة لحضور حفل الفنان محمد وردي، حيث كان سيغني إحدى روائعه اللحنية “الحزن القديم”، للشاعر المجيد عمر الطيب الدوش. كانت تجربة حسية كاملة تجسد كيف يمكن للحرف واللحن والإحساس أن تصنع لحظة صغيرة، لكنها خالدة في الذاكرة : “ولا الحزن القديم إنتِ.. ولا لون الفرح إنتِ.. ولا الشوق المشيت بيهُ.. وغلبني أقيف ولا بِنْتِ.. إلى آخر القصيدة المبدعة.”
كانت الأغنية تخرج من أصوات الحضور قبل أن يقولها وردي، وكأنها أصبحت جزءًا من وجدان الجميع. عندها أدركنا كيف يمكن للموسيقى أن توحد المشاعر ، وأن تجعل لحظات الحياة الصغيرة أكثر عمقًا واتساعًا. فمثل هذه اللحظات هي التي تصنع نسيج المجتمع وثقافته ، وتؤكد أن التفاصيل البسيطة قد تتحول إلى علامات فارقة في حياة الناس .
أما المسرح القومي بأم درمان، ذلك الفن الذي أحببته وأحبه الأذكياء منذ البدايات، فقد ظل دائمًا مرآة المجتمع وذاكرته الحية. على خشبته كانت الحكايات تُروى بصدق، وكان الجمهور يرى نفسه في شخصيات العرض؛ فيضحك أحيانًا، ويتأمل أحيانًا أخرى. وكان المسرح مساحة للقاء الإفكار والانفعالات ، يذكّر الناس بأن بينهم قواسم مشتركة تتجاوز تنوعهم و اختلافاتهم.
وفي قلب هذه الذاكرة الثقافية النضرة تقف أماكن خالدة مثل مكتبة البشير الريح ومركز عبد الكريم ميرغني ، تلك المعالم التي كانت لسنوات طويلة ملاذًا لعشاق القراءة، ونافذة يطل منها الشباب على عوالم الفكر والمعرفة. وكذلك الدار السودانية للكتب التي احتفظت بين رفوفها بجهد أجيال من الكتّاب والباحثين، وكأنها بيت هادئ يحرس ذاكرة الحرف والقيم.
غير أن أشياؤنا الصغيرة لا تقتصر على المسارح والمكتبات وحدها. أحيانًا تكون قطعة تراثية قديمة في بيت العائلة، أو متعلقات موروثة انتقلت من جيل إلى جيل، تحمل في صمتها حكايات لا توثقها الكتب. وأحيانًا تكون مجموعة من الكتب جمعناها في أيام الصبا، رتبناها بحماس على الرفوف، دون أن ندرك أن تلك الصفحات ستصبح لاحقًا جزءًا من تكويننا المعرفي.
في مثل هذه التفاصيل البسيطة يتشكل النسيج الاجتماعي في أنقى صوره؛ حيث يجتمع الناس حول الأفكار والمشاعر الإنسانية المشتركة، بعيدًا عن أسئلة القبيلة أو الانتماء . فالثقافة، في أصلها، مساحة رحبة يلتقي فيها المختلفون لأنهم يتشاركون شغف المعرفة والجمال والمعنى.
تكشف هذه التفاصيل الصغيرة عن سر السعادة التي يمتلكها بعض الناس : هؤلاء الذين نراهم سعداء لا يعيشون حياة خالية من الهموم، لكنهم يعرفون كيف يجدون الفرح في الأشياء الصغيرة كتاب، فكرة ، وكيف يجعلون من هذه اللحظات مدخلًا للسعادة اليومية وبداية لحياة أكثر وعيًا وانتباهًا.
أحيانًا تتعبنا الحياة ، بسبب عادات صغيرة نمارسها : السهر، والضغط النفسي، والاستعجال ، والأفكار المثقلة بالتوتر. نظن أن يومًا واحدًا لا يهم، لكن الأيام حين تتجمع ترسم شكل حياتنا. لذلك يمكن لأي منا أن يبدأ بتغيير عادة صغيرة اليوم، لتصبح غدًا خطوة نحو التوازن والطمأنينة.
ربما تبدو هذه الأشياء بسيطة في زمن تمتلئ فيه الدنيا بضجيج الأخبار وصراعات السياسة. غير أن التجارب تعلمنا أن المجتمعات لا تحفظ توازنها بالقوة وحدها، بل تحفظه أيضًا بالثقافة والفكر والذكريات المشتركة، وبذلك الإحساس بأن هناك ما يجمع الناس أكثر مما يفرقهم.
ولعل ما تعلمناه من الأيام، بعد سنوات من العمر والتجربة، أن الأشياء التي بدت لنا يومًا عادية كانت في حقيقتها أكثر اللحظات ثراءً في حياتنا.
وربما لهذا السبب، بحسب #وجه_الحقيقة، يهمس لنا الزمن بحكمة بسيطة: استمتع بالأشياء الصغيرة في الحياة، فسيأتي يوم تعود فيه إلى الماضي لتدرك أن تلك التفاصيل التي بدت عادية لم تكن كما ظننا ، بل كانت في الحقيقة أشياء عظيمة صنعت أجمل ما في الحكاية.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 12 مارس 2026م


