عاجل
الإثنين, مارس 9, 2026
spot_img
الرئيسيةUncategorizedوجه الحقيقة .. إبراهيم شقلاوي : نقابة المعلمين وذاكرة الفوضى!

وجه الحقيقة .. إبراهيم شقلاوي : نقابة المعلمين وذاكرة الفوضى!

مقالات : هبوب نيوز

 

   في السودان ظل التعليم لسنوات طويلة أحد أهم أدوات صناعة الوعي. فقد خرجت المدارس والجامعات أجيالًا لديها شعورا واضحا بالمسؤولية، وظل المعلم في الوجدان الشعبي ينظر له بمثابة المربي والمصلح منه إلى الموظف. غير أن التحولات السياسية والاقتصادية التي عاشتها بلادنا، في السنوات الأخيرة، أدخلت التعليم في دائرة من التوتر والتجاذب.

ومن أبرز مظاهر هذا التوتر تسيس البيئة التعليمية، حين تتحول المؤسسات التربوية إلى ساحة للصراع السياسي . فالمعلم بحكم موقعه وتأثيره في الأجيال، يصبح أحيانًا جزءًا من الاستقطاب السياسي، فتختلط الرسالة التربوية بالخطاب الحزبي أو الأيديولوجي. وهنا يبرز سؤال مهم: هل العملية التعليمية في حاجة إلى معلم مسيّس أم إلى معلم مهني؟

التجربة تؤكد أن التعليم يستقر أكثر حين يكون المعلم مهنيًا قبل أي شيء آخر، مهنيًا يرى في مهمته بناء العقل لا تعبئته، وتربية التفكير لا توجيهه. فحين تطغى الأيديولوجيا على المهنة، تضيق مساحة المعرفة، ويتحول الفصل الدراسي إلى امتداد للصراع السياسي الموجود في الشارع.

من هذا المنظور يمكن قراءة البيان الأخير الصادر 7 مارس 2026 م عن لجنة المعلمين السودانيين، والذي جاء احتجاجًا على منشور الأجور الصادر عن وزارة المالية. فالبيان في ظاهره، يعكس غضبًا مشروعًا من تدهور الأوضاع المعيشية للعاملين في قطاع التعليم، وهي قضية لا يختلف حول عدالتها اثنان. إذ لا يمكن أن يستقيم نظام تعليمي في بلد يعاني معلموه ضيق الحال وتراجع المكانة، لأن كرامة المعلم هي كرامة التعليم.

غير أن القضية لا تقف عند حدود المطالب . فالبيان لم يكتفِ بتسجيل الاعتراض على السياسات المالية، بل مضى أبعد من ذلك حين لوّح صراحة بالعودة إلى الشارع واستئناف ما سماه “جولة جديدة من النضال المدني” لاسترداد الحقوق. وهنا تحديدًا تبدأ الإشكالية التي تتجاوز نطاق النقابة إلى سؤال أوسع يتعلق بالبيئة السياسية التي يعمل داخلها المعلم.

لقد عرف السودان عقب سقوط حكم عمر البشير في العام 2019 وخلال السنوات التي سبقت اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023 مرحلة من السيولة السياسية غير المسبوقة، حيث تحولت قطاعات مهنية عديدة إلى فاعلين سياسيين مباشرين في الحياة العامة. ولم تكن لجنة المعلمين بعيدة عن هذا السياق، إذ قادت في تلك الفترة سلسلة من الإضرابات وتعطيل الدراسة تحت شعار الدفاع عن حقوق المعلمين.

 وبينما اعتبر أنصار هذه التحركات أنها ممارسة نقابية مشروعة، رأى آخرون أنها أسهمت في تعميق حالة الاستقطاب السياسي الذي لازم تلك الفترة، وخلق مناخ من عدم الاستقرار في بلد كان يقف على حافة الانفجار.

المشكلة لا تتعلق فقط بتعطيل العام الدراسي أو إرباك العملية التعليمية، بل بما يكشفه ذلك من تحوّل في وظيفة النقابة. ففي كثير من التجارب الانتقالية تتحول النقابات من أجسام مهنية تعنى بالدفاع عن حقوق أعضائها إلى منصات سياسية بديلة عن الأحزاب، خصوصًا حين تضعف البنية الحزبية أو تفقد قدرتها على التأثير. وعند هذه النقطة يصبح من الصعب التمييز بين ما هو مطلب مهني وما هو ابتزازا سياسيا.

لقد كان الشارع، خلال سنوات ما قبل الحرب، الأداة الأكثر حضورًا في إدارة الخلافات السياسية. وكانت الفكرة السائدة أن الضغط الجماهيري هو الطريق الأسرع لانتزاع الحقوق أو فرض التوازنات السياسية. غير أن هذه المعادلة، هي التي أسهمت، بدرجات مختلفة، في خلق مناخ من الاستقطاب الحاد الذي انتهى إلى انهيار التوازن الهش بين القوى المختلفة وانزلاق البلاد إلى الحرب التي مازلنا نعيش تداعياتها ومراراتها.

ولا تزال الذاكرة السياسية تحتفظ بتلك العبارة الشهيرة التي قيلت في ذروة الاحتقان قبل الحرب: “شارع بشارع”. كانت تلك العبارة تعبيرًا عن مناخ من الاستقطاب الذي حول المجتمع إلى معسكرات متقابلة، حيث يُواجَه كل حشد بحشد مضاد، وكل احتجاج باحتجاج آخر. إلى أن انتهت بكارثة كبرى، فإن خطر استدعاء ذلك المناخ بات خطا أحمر لجميع السودانين.

من هنا تبدو لغة التلويح بالعودة إلى الشارع، التي وردت في بيان لجنة المعلمين، وكأنها تستدعي في الذاكرة السودانية صفحة لم تُطوَ بعد. فالمجتمع الذي خرج مثخن الجراح من تجربة الحرب لا ينظر إلى هذه الدعوات، مجرد تكتيك نقابي، بل يقرأها في سياق العودة إلى الفوضى.

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، التقليل من مشروعية مطالب المعلمين أو الدعوة إلى الصمت أمام السياسات الاقتصادية الخاطئة. فإصلاح التعليم يبدأ بالاعتراف بأن المعلم يستحق حياة كريمة ومكانة اجتماعية تليق بدوره. غير أن الحكمة السياسية تقتضي أن تُدار هذه المطالب في إطار يحمي العملية التعليمية من الانزلاق إلى ساحة الصراع السياسي المفتوح.

فالدول الخارجة من النزاعات تحتاج، إلى إعادة بناء الثقة في مؤسساتها العامة. وهذه الثقة لا يمكن أن تتشكل إذا ظل الشارع هو الأداة الأولى لحسم الخلافات. بل إن إعادة الاعتبار للمؤسسات – بما فيها مؤسسات التفاوض النقابي – هي الخطوة الأولى في طريق استعادة الدولة لعافيتها.

التعليم، بحسب #وجه_الحقيقة ، ليس مجرد قطاع من قطاعات الدولة، بل هو المجال الذي تتشكل فيه صورة المستقبل. وإذا تحولت نقابة المعلمون إلى امتداد لصراعات السياسة، فإن الخاسر الأكبر لن يكون الحكومة ولا النقابة، بل الأجيال التي تنتظر إلى مقاعد الدرس فرصة لبناء وطن أكثر أمنا و استقرارًا.

دمتم بخير وعافية.

الأثنين 9 مارس 2026 م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

الأكثر قـراءة