حرب 15 أبريل زلزالٌ كشف عورة الدولة الهشة.
عسكر الأحزاب اختطفوا المؤسسة العسكرية لتنفيذ أجنداتهم الخاصة.
” 400″ حزب كرتوني.. استهتارٌ وتجريفٌ لوعي المواطن السوداني.
التطبيع مع إسرائيل حتميةٌ فرضها منطق القوة الجديد.
ازدواجية المؤسسات هي العائق الأكبر الذي واجهنا في مجلس السيادة.
العودة للحضن الإيراني مقامرةٌ سياسيةٌ في توقيتٍ قاتل.
واشنطن لا ترانا.. السودان مجرد “ملف ثانوي” خارج الرادار الأمريكي.
الإدارة الأهلية تحولت لأداة قمع.. والطبقة السياسية أفسدت البلاد.
حاوره :رمضان محجوب
في لحظة فارقة من تاريخ البلاد، يفتح المهندس أبوالقاسم برطم، البرلماني المستقل وعضو مجلس السيادة السابق، خزائن أفكاره لصحيفة “العودة”. بجرأته المعهودة وبراغماتيته التي تثير الجدل، يفكك طلاسم المشهد السوداني المعقد ما بعد “زلزال أبريل”. في هذا الحوار، لا يجامل برطم أحداً؛ يضع النقاط على حروف الأزمات، من اختطاف المؤسسة العسكرية، إلى فوضى الأحزاب، وصولاً إلى مقامرات التحالفات الإقليمية، ليرسم ملامح “الثورة الشاملة” التي يراها المخرج الوحيد من نفق اللادولة.
▪️ بصفتك كنت جزءاً من هرم السلطة السيادية، كيف تقرأ “نقطة اللاعودة” التي انطلقت منها حرب 15 أبريل؟ وهل كان بالإمكان تلافيها برؤية برلمانية مستقلة؟
= كما ذكرتُ سابقاً، فإن 15 أبريل هي “نقطة اللاعودة”؛ ولكن السؤال الجوهري هنا: اللاعودة إلى ماذا؟ للأسف، تنظر الأغلبية إلى هذا المفهوم من زاوية سياسية ضيقة، بينما الحقيقة أنها أبعد من ذلك بكثير. إنها اللاعودة إلى الواقع المرير الممتد منذ عام 1956، ذلك الواقع الذي أورثنا سوداناً فقيراً، ضعيفاً، وهشاً، يسوده الفساد والمحسوبية. يجب أن تمثل 15 أبريل نقطة تحول جوهري للسودان؛ فهي لم تكن صدفة، بل حدثاً تاريخياً لم يكن بالإمكان تلافيه.
▪️ هل كان يمكن تلافي ذلك ببرلمان قوي يضع “منفستو” أو دستوراً دائماً متفقاً عليه؟
= للأسف لا يوجد برلمان قوي أو دستور مقدس في السودان، والدليل خرق هذا الدستور دائماً بانقلابات حزبية بأدوات مؤسسية وهي “الجيش”، والذي استُغل سياسياً ليصبح هو من يخرق الدستور برداء الوطنية. لذلك لا يوجد في تاريخنا حكم عسكري حقيقي 100%، بل هم عسكر ينتمون لأحزاب اتخذوا المؤسسة كـ”أقصر طريق” للسلطة. أساس البرلمان هو الانتخابات الحرة المؤسسة على وعي المواطن، وهنا “مربط الفرس”! نحن نعيش في فوضى مجموعات لا تمتلك رؤية، أحزاب يملكها أفراد وأسر وطوائف، ويكفي استهتاراً تكوين ما يزيد عن 480 حزباً سياسياً.
▪️ برأيك، هل تحولت الحرب من صراع محلي إلى “حرب وكالة” إقليمية؟
= أساساً ومنذ البداية، هذه الحرب هي “حرب وكالة” بامتياز، تُدار بأدوات محلية لتنفيذ أجندات لا تشبهنا؛ فالسودان صار مجرد ملعب لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
▪️ ما هي فرص نجاح “المقاومة الشعبية” في حسم المعركة مقابل مسارات التفاوض؟
= هذه معادلة غير صحيحة. الصحيح أن أي صراع يجب أن ينتهي بالتفاوض، لكن السؤال: “على ماذا نتفاوض؟”. المقاومة الشعبية عنصر مهم للنصر وتحقيق العدالة كأداة مساعدة للمؤسسة العسكرية الشرعية، والنصر في الميدان هو ما ينعكس قوة على طاولة التفاوض.
▪️ كيف ترى مستقبل “الكتلة المدنية”؟ وهل ستلفظ الساحة الوجوه القديمة؟
= للأسف الوجوه القديمة لم تُلفظ، بل هي تتجدد بنفس نمط التفكير العقيم مع تغير الأشخاص فقط، وهذا هو العائق أمام أي تطور مدني حقيقي.
▪️ كيف يمكن إعادة بناء “شرعية الدولة” في ظل غياب المؤسسات الدستورية؟
= الشرعية تُبنى أولاً ببناء “مؤسسات الدولة المدنية” وليست السياسية! وذلك عبر فرض هيبة سيادة القانون والعدالة، واعتماد المواطنة كأساٍس وحيد للحقوق، ومحاربة الفساد بصرامة.
▪️ السودان أعاد علاقاته مع إيران قبل الحرب؛ هل هي “ضرورة أمنية” أم “مقامرة”؟
= هي “مقامرة سياسية” غير محسوبة العواقب في توقيت حرج جداً؛ فالسودان لا يتحمل دفع أثمان صراعات المحاور وتأليب القوى الغربية عليه بلا مقابل حقيقي.
▪️ كنت من أوائل المنادين بالتطبيع مع إسرائيل؛ هل أثبتت أحداث غزة صحة رؤيتك؟
= أثبتت صحة ما ناديت به تماماً. الخارطة السياسية بدأت بالتغيير وفقاً لمنطق القوة، والسودان لا يملك ترف “الحياد”، وعليه أن يحدد موقعه وفقاً لمصلحته العليا.
▪️ لو طُلب منك وضع “خارطة طريق” ليوم ما بعد الحرب، ما هي خطواتك؟
إعادة بناء الخدمة المدنية على أسس المواطنة والكفاءة.
بناء علاقات خارجية بتحالفات استراتيجية وفقاً لمصلحة السودان.
وضع خطة وبرنامج تغيير اقتصادي واجتماعي شامل.
▪️ كيف يمكن للسودان التعافي من “اقتصاد الحرب”؟
= هذه الحرب فرصة تاريخية، ليس “للترميم” بل لبناء خرطوم جديدة متقدمة، ولكن للأسف كل ما يجري حالياً هو مجرد ترميم هش لجسم هو في الأساس مريض.
▪️ هل ما زلت تؤمن بأن “البراغماتية” هي المخرج الوحيد؟
= أكيد.. وبلا شك. لقد ولى عهد الأيديولوجيا والشعارات التي لم تورثنا إلا الفقر، واليوم لا صوت يعلو فوق صوت المصالح الوطنية المباشرة.
▪️ كيف تصف تجربة العمل في “مجلس السيادة”؟
= العائق الذي واجهنا ولا يزال هو “ازدواجية المؤسسات” وانعدام الرؤية الموحدة.
▪️ ختاماً.. ما الذي نحتاجه فعلياً كأولوية قصوى لمرحلة ما بعد 15 أبريل؟
= نحتاج إلى “ثورة شاملة” في الوعي والبناء تلامس الجذور؛ ثورة إعلامية تجرم العنصرية، وثورة سياسية تطيح بالأطر المتآكلة كـ”الإدارة الأهلية” التي تحولت لأداة قمع، وثورة اقتصادية تهدف لبناء اقتصاد متطور يدمج بين الكفاءة والعدالة الاجتماعية، ليصبح المواطن هو المركز والهدف.


