مقالات : هبوب نيوز
لقد وضعت الحرب المجتمع السوداني تحت ضغط غير مسبوق منذ اندلاعها في الخامس عشر من أبريل 2023. لقد مثل النزوح الذي أعقبها، زلزالًا اجتماعيًا أعاد تشكيل الخريطة الديموغرافية والاقتصادية في البلاد.
ملايين من الناس تحركوا بين المدن والولايات أو عبر الحدود، تاركين وراءهم بيوتًا ونسيج اجتماعيٍ تشكل عبر عقود طويلة من الآلام والأحلام. المدن التي استقبلت موجات النزوح وجدت نفسها أمام واقع جديد من الاكتظاظ والضغط على الخدمات وفرص العمل، بينما فقدت مناطق واسعة من البلاد جزءًا من طاقتها البشرية المنتجة، الأمر الذي عمّق الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية بين المركز والأطراف.
الأيام الأولى للحرب كشفت هشاشة منظومة الثقة. انتشرت مقاطع مصورة توثق استباحة الأحياء السكنية في ولايتي الخرطوم وغيرها، مع لقطات مؤلمة لأشخاص ينهبون بيوت أقاربهم وجيرانهم. في أحد هذه المقاطع، ظهر شاب يسطو على منزل خالته، بينما ارتفع في الخلفية صوت فتاة تعرفت عليه وهي تتساءل بمرارة : “لماذا تسرق بيتًا تربيت فيه؟”.
كانت كلماتها تجسيدًا للعبارة التاريخية الشهيرة “حتى أنت يا بروتس؟” ، التي نسبت الي يوليوس قيصر عند رؤيته ماركوس بروتوس بين قتلة مجلس الشيوخ، لتعبّر عن الصدمة المفجعة والخيانة من أقرب الناس.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد تحولت خادمات وأصحاب متاجر وحتى غسّال الحي والخفراء و الجنائني إلى أدوات للمليشيات للنهب والسلب ، يشيرون إلى البيوت ويكشفون عن أصحابها وفق انتماءاتهم السياسية.
هذا الانهيار الأخلاقي المفجع نتيجة طبيعية لتعثر الدولة وغياب سلطة القانون، حيث أصبح النفوذ والقدرة على الحماية أدوات للقوة المجتمعية.
هذه الوقائع، على قسوتها، تعبير عن لحظة انهيار في منظومة الضبط الاجتماعي التي كانت تنظم العلاقات داخل المجتمع. فحين تضعف الدولة وتتراجع مؤسساتها، يتحول القانون إلى مجرد إطار شكلي، وتصبح المعرفة الاجتماعية التي كانت أساس الثقة بين الناس أداة قوة تُستغل للسيطرة والنهب. وهنا يظهر البعد الوجودي للحرب، فالمجتمع لم يُختبر أخلاقيًا فحسب، بل أُخضع لإعادة توزيع السلطة داخله، حيث السلاح والمال الحرام وشبكات النفوذ المحلية تولت ما تركه غياب الدولة.
وفي ظل هذا الواقع المؤلم، ظهرت تحولات عميقة في منظومة القيم. فاقتصاد الحرب يفرض منطقه القاسي، حيث أصبح البقاء أولوية تتقدم على كثير من الاعتبارات الأخلاقية، وتغيرت موازين القوة داخل المجتمع تبعًا لمن يملك الموارد أو القدرة على الحماية المسلحة. ومع ذلك، لم يسير المجتمع السوداني نحو الانهيار؛ ففي قلب الأزمة ظهرت أشكال جديدة من التضامن، حين فتحت البيوت أبوابها للنازحين، وتتشكل شبكات الدعم الأهلي حيث تكايا الطعام التي عوضت جزئيًا غياب المؤسسات الرسمية.
اليوم و مع مرور الوقت بدأت مؤشرات التعافي تتضح. فقد كشفت منظمة الهجرة الدولية امس الاول عن عودة نحو 3.6 مليون شخص إلى منازلهم، بانخفاض عدد النازحين بنسبة 21% مقارنة بأعلى مستوى سُجل للنزوح.
وكانت البلاد قد بلغت ذروة الأزمة الإنسانية في يناير 2025 بعدد 11.5 مليون نازح، قبل أن يتراجع العدد إلى نحو 9.1 مليون مع تحسن الوضع الأمني في بعض الولايات. معظم العائدين استقروا في منازلهم الأصلية رغم أن 88% منها متضرر، و10% دُمّر بالكامل.
ومع ذلك، فإن العودة لم تنهِ المعاناة: صعوبة الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، وفقدان العمل وارتفاع نسب الأسر التي تقودها النساء والأطفال بين النازحين، كل ذلك يوضح أن الحرب أعادت تعريف المجتمع على مستوى الأسرة والحي والمجتمع ككل.
هذه المرحلة تمثل صدام الصدمة مع محاولة التعافي. المجتمع يحاول استعادة توازنه ببطء، مستندًا إلى غريزة البقاء ورغبة جادة في إعادة ترتيب حياته بجانب ثقافة مركوزة في تاريخ السودانين النفير واغاثة الضعفاء. وفي هذه التجربة يظهر البعد السياسي: عودة المواطنين ، مؤشر على قدرة المجتمع على إعادة إنتاج نفسه حتى في غياب للهيكل المؤسسي للدولة. وبينما تحاول الحكومة إعادة فرض السيطرة، يبقى المجتمع هو من يتحرك أولًا، ينظم ذاته، يتعافى ويخلق شبكات تعايش جديدة.
وفي قلب هذه المرحلة تأتي أهمية إعادة بناء الثقة بين الناس . فالمصالحة الاجتماعية ودور المجتمع السوداني في ترميم العلاقات أصبحت شرطًا للاستقرار. تجارب التضامن الأهلي، ومبادرات دعم الأسر النازحة، وإعادة فتح الأسواق والمدارس، كلها مؤشرات على قدرة المجتمع على استعادة ما فقده. وبدون هذه الثقة، ستظل أي جهود سياسية لإعادة الإعمار ناقصة، لأن الدولة لا يمكن أن تُبنى على فراغ اجتماعي.
وهنا يظل السؤال الأكبر بحسب #وجه_الحقيقة : ما الذي تبقى منا بعد هذه الحرب؟ ربما لا يكون الجواب مجرد بقايا منازل أو شبكات اجتماعية ممزقة، بل القدرة الجادة على إعادة بناء المعنى والعيش المشترك، والقدرة على النهوض من بين كل هذه التحديات. الحرب أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ووضعت أمام الجميع تحديًا جوهريًا: هل ستستفيد البلاد من هذه التجربة لتخرج بدولة أكثر عدلًا واستقرارًا وامنا ، أم ستبقى جراح المجتمع كامنة تحت السطح في انتظار الأزمة التالية؟
دمتم بخير وعافية.
الأحد 8 مارس 2026 م


