مقالات : هبوب نيوز
■ في “الصفوة”، حيث كان الصمت يغلف صباحاتنا الأولى بمزيج واجف من الريبة والترقب، بدأت ملامح “الخراب الجميل” تتلاشى، ليحل محلها وجوم كأنه قطعة من ليل سحيق. كنا هناك، في تلك البقعة التي ظنناها ملاذا قصيا، نرقب أعمدة الدخان الأسود وهي تطاول عنان السماء في الخرطوم، بينما القلوب ترتجف مع كل دوي بعيد، كأنها صدى لتهاوي جدران الروح.
■ لم تكن “الصفوة” حينها مجرد حي سكني، بل استعالت لتكون “غرفة أخبار” مفتوحة على هجير القلق، ضمتنا نحن معشر الصحفيين والمثقفين الذين قذفت بنا نيران “الوسط” إلى حواف الصبر. كنا نجلس والوطن جرح نازف بين أيدينا، نحاول تضميد نزفه بالكلمات والتحليلات التي لم تكن تزيدنا إلا شجنا غائرا في الوجدان.
■ كنا ثمانية، يجمعنا وجع كوني وقلم مكلوم؛ أنا، والرفيق النبيل محمد عبدالله يعقوب، وعبدالله سليمان بوقاره الرصين، ومحمود جيلي بذكائه المتوقد، وعبد الماجد النور الكبوشابي الزميل الهميم. ومعنا تلميذي العصامي الذي أعتز به دكتور آدم حسن آدم، والدكتور المهذب الذي أفاخر به حافظ كوكو عميد كلية الإعلام بجامعة القرآن الكريم، تحفنا روح أخي الحبيب العزيز علي شريف، ذلك الشيخ الوقور الذي لم يدر بخلدنا أن القيود ستجمعنا لاحقا في زنازين الاعتقال، إضافة إلى أستاذ الأجيال أحمد زكريا.
■ في جلسات الصباح أمام بيتي، تحت ظلال شجرة “اللبخ” التي كانت تمنحنا ملاذا من الهجير، حيث يمتزج رذاذ الشاي بمرارة الأخبار، وفي أماسينا التي تفيض بالهواجس وسط عتمة الكهرباء، كنا نقرأ المشهد بعيون لا تخطئ الانكسار. لم نكن نعلم أن تلك الشجرة وصويحباتها الثلاث الأخرى، ستكون أولى ضحايا غل وحقد الجيران الذين اجتثوها جميعا، كأنهم يحاولون اغتيال الظل وقطع حبال السكينة التي كانت تجمعنا، لتصبح الجراحات أكثر اتساعا، والوطن الذي ألفناه ينزلق من بين أصابعنا كحفنة رمال ناعمة في ريح صرصر لا تبقي ولا تذر.
■ ومع اشتداد أوار المعارك، بدأت مقاطع “فيديو” المليشيا تغزو هواتفنا، وهم يتفاخرون في صخب همجي بادعاء تحرير مناطق عسكرية استراتيجية في قلب الخرطوم. كنا نتلقف تلك المشاهد بإشفاق ممتزج بيقين لا يتزعزع بأن نصر القوات المسلحة قادم لا محالة، وأن هذه الفقاعات الدعائية ما هي إلا زبد سيذهب جفاء أمام صمود المؤسسة العسكرية وتاريخها الضارب في الجذور.
■ غير أن ما كان يدمي القلب في ذلك المشهد، هو غياب الإعلام الرسمي والإعلام المساند للقوات المسلحة عن مسرح المواجهة الرقمية، مما ترك الحبل على الغارب للمليشيا لتسيطر على الفضاء الإعلامي وتنفث سمومها وأكاذيبها دون رادع. كان الفراغ الذي تركه صوت الدولة يغذي حيرة البسطاء، بينما كنا نحن القابضين على جمر المهنة، ندرك أن معركة الكلمة لا تقل ضراوة عن معركة الرصاص.
■ أذكر حين استرسل أحدنا في لحظة تجل مؤلمة، مؤكدا أن هذه الحرب ليست “نزهة” عابرة، بل حريق سيمتد لأكثر من ثلاث سنوات، ليقطع بذلك حبال أحلام المتفائلين الذين ظنوا أن البنادق ستصمت قبل أن يجف حبر المانشيتات الأولى. كانت الحقيقة علقما، لكنها كانت ماثلة للعيان كشمس الظهيرة، تنبئنا بأن “البومة” قد عششت فوق أطلال الدولة.
■ وفي خضم هذا التهاوي، شهد “سوق 7” بمركز الصفوة ولادة مشوهة؛ إذ ولدت من رحم المليشيا وحلفائها من “الشفشافة” مضغة سوء وجنين لقيط سمي (سوق دقلو). هناك، تحولت الأرصفة إلى معرض مفتوح للدموع، تعرض فيه أحلام المواطنين ومقتنيات أعمارهم المنهوبة كغنائم حرب، تباع بأبخس الأثمان تحت بصر القهر وعين الانكسار؛ سوق يغص بالوجع المقنع، حيث يمشي المارة مطأطئي الرؤوس خشية أن تقع أبصارهم على “تلفاز جار” أو “أثاث قريب” فيتمزق ما تبقى من صمودهم.
■ لم تلبث العربات القتالية للمليشيا أن انتهكت سكون الصفوة؛ كانت “التاتشرات” تجوب الشوارع كوحوش حديدية تنهش السكينة، وبدأت رحلة الإرهاب المنظم. نظراتهم كانت تتفحص الوجوه بريبة، وسباباتهم فوق الزناد تهمس بوعيد لا يحتاج لمترجم، فاستحال الأمان غصة تذبح الحناجر.
■ بدأت ملامح “الحاضنة الاجتماعية” تطل برأسها القبيح، حيث استشرى الاستعلاء العرقي في الخطاب والسلوك. رأينا لغة التعايش تتبدل لمرارات “التمكين القبلي”، وأصبح الانتماء للدم والجهة هو “الصك” الوحيد للأمان الزائف وسط غابة من البنادق الطائشة التي لا تعرف دينا ولا ذمة.
■ كان أفراد المليشيا القادمون من أصقاع بعيدة يزورون أقاربهم في “الصفوة” كفاتحين لا كضيوف، يوزعون الوعود بالسيادة لآلهم، والوعيد بالذل للآخرين. صار الجار يتوجس من جاره، وانقسم الحي بين “أصحاب حق” مدعى، و”مغضوب عليهم” ينتظرون دورهم في مقصلة التنكيل.
■ في تلك الأجواء المشحونة، كانت الصلاة هي معقلنا الأخير، نلجأ إليها لننفض عن كواهلنا غبار العجز. وفي يوم مشهود، وبينما كنا نؤدي صلاة المغرب بقلوب واجفة خاشعة، كان الموت يراقبنا من مسافة “صفر”، ليقطع صلتنا بالسماء ببرود قاتل.
■ فجأة، ودون سابق إنذار، وجدنا أحد أفراد المليشيا، مدججا بسلاحه وغله، يقف شاخصا فوق رؤوسنا ونحن سجود. كان ظل بندقيته يغطي جباهنا الملتصقة بالأرض، وكأن الأرض ضاقت بما رحبت، ولم يعد حتى “المحراب” مكانا آمنا من عبث الرصاص وشياطين الحرب.
■ توقف الزمن في تلك اللحظة؛ تداخلت أصوات التكبير في قلوبنا مع صرير السلاح فوق رقابنا. كان المشهد يختزل مأساة الوطن بأسرها: إيمان أعزل في مواجهة كفر مسلح، وكرامة ساجدة تحت وطأة حذاء غريب. وقف ذلك المسلح كحائط من الرصاص يحول بيننا وبين الطمأنينة، وعيناه تلمعان ببريق وحشي، ونحن لا نملك إلا دعاء خفيا وصمودا صامتا.
■ فماذا يتبقى حين تنتهك القدسية، ويصبح الموت ضيفا ثقيلا يشاركنا صلاة المغرب؟ وماذا بعد أن يستحيل السجود مواجهة مباشرة مع فوهة البندقية؟


