عاجل
الخميس, يناير 15, 2026
spot_img
الرئيسيةUncategorizedهدنة أم قسط تنفس للمليشيا؟ كيف تعاد صناعة الحرب تحت غطاء السلام..

هدنة أم قسط تنفس للمليشيا؟ كيف تعاد صناعة الحرب تحت غطاء السلام..

كتب : هشام محمود سليمان

الهدن في زمن النزاعات المسلحة ليست مجرد فترات تصمت فيها البنادق بل هي اختبار حقيقي لمدى صدقية القانون الدولي الإنساني وقدرته على حماية المدنيين ومنع استغلال هذه الفترات لأغراض عسكرية وفي الحالة السودانية الراهنة بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع تبرز الهدن كأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدا إذ تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة لإعادة تموضع المليشيا وترتيب صفوفها بدلا من أن تكون مدخلاً لتخفيف المعاناة الإنسانية

من الناحية النظرية يعنى القانون الدولي الإنساني بتنظيم الهدن باعتبارها وسيلة مؤقتة توقف القتال وتسمح بإيصال المساعدات استناداً إلى اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية وتنص هذه الاتفاقيات على أن أي هدنة يجب أن تكون مصحوبة بضمانات واضحة تمنع تحريك القوات أو إعادة تسليحها أو استغلالها لأغراض عسكرية غير أن تطبيق هذه القواعد في النزاع بين القوات المسلحة ومليشا الدعم السريع غالبا ما يصطدم بواقع سياسي معقد حيث تلجأ مليشا الدعم السريع المدعومه اماراتيا إلى التحايل على هذه النصوص تحت ذرائع إنسانية أو تفاهمات ضمنية مع أطراف دولية ظهرت هذه الإشكالية بوضوح خلال هذه الحرب التي تشنها المليشا الدعم السريع علي السودان فكل هدنة تُعلن سواء بضغط من الأمم المتحدة أو من مجلس الأمن تتحول عمليا إلى فرصة تلتقط فيها مليشيا الدعم السريع أنفاسها وتعيد توزيع قواتها وتستقبل الإمدادات القادمة من الخارج عبر طرق ملتوية وبدلا من أن تكون الهدن بوابة لإنقاذ المدنيين في دارفور أو كردفان تصبح أحيانا ستارا خلفيا لعمليات تسليح خفية وتجميع لموارد جديدة استعدادا لجولات أخرى من القتال القانون الدولي في جوهره لا يجيز مثل هذا الاستغلال لكنه في الممارسة الميدانية يظهر بوجهين وجه قانوني صامت أمام الخروقات ووجه سياسي يخضع لتوازن القوى ومصالح الدول المؤثرة في مجلس الأمن وحين تكون بعض هذه الدول نفسها داعمة لطرف مسلح أو متواطئة في إطالة أمد النزاع فإن تطبيق القانون يصبح انتقائيا يتحدث المجلس بلغة العدالة والمساواة لكنه يوزن بميزان مزدوج يدين الجيش السوداني حين يردّ على عدوان المليشيا ويتغاضى عن جرائم القتل والنهب والاغتصاب التي وثقتها منظمات دولية ضد الدعم السريع

لقد كان من الممكن للهدن أن تؤتي أكلها لو التزمت الأمم المتحدة بمبدأ الحياد الحقيقي وأشرفت على مراقبة دقيقة لتنفيذها بحيث ترصد أي حركة عسكرية أو انتهاك يرتكب تحت غطاء إنساني غير أن غياب آلية مراقبة مستقلة وفعالة جعل الهدن حبراً على ورق تعلن من نيويورك أو جدة لكنها على الأرض تستثمر كسلاح تكتيكي للمليشيا.وهنا يصبح القانون الدولي مجرد نصوص جميلة تتهاوى أمام صمت المجتمع الدولي وازدواجية مواقفه

إن التجربة السودانية تطرح سؤالاً جوهريا هل الهدن وُجدت فعلاً لحماية المدنيين أم لتوفير فترات راحة لمليشا الدعم السريع لتلطقط انفاسها وتعيد المره مره اخري الإجابة الواقعية المؤلمة هي أن القانون الدولي،د في ظل الهيمنة السياسية على قراراته لم يعد مرجعا ضامنا بقدر ما صار أداة انتقائية توظّف حسب المصالح وما لم تربط الهدن بمراقبة محايدة وعقوبات صارمة على من يستغلها فستظل مجرد استراحة مقاتل وفرصة جديدة لاستمرار الحرب بوجه أكثر دموية.

إن السودان اليوم يدفع ثمن هذا الخلل المعياري في القانون الدولي فهدن الأمم المتحدة لم توقف النزيف بل ساهمت في إعادة إنتاجه وإذا لم يكسر هذا النمط المزدوج في التعاطي فسيظل السلام بعيد المنال وستبقى الهدن محض استراتيجية ناعمة لتغذية الحرب تحت لافتة إنسانية مضللة..

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

الأكثر قـراءة